يغادر شاب منزله في الصباح وهو يحمل بين يديه ملفًا يضم سنوات من الدراسة والتعب، يدخل مقابلة العمل بكل ثقة، يجيب عن الأسئلة، ويغادر وهو مقتنع بأن الكفاءة هي الفيصل، وبعد أيام قليلة، تأتيه الصدمة؛ الوظيفة ذهبت إلى شخص آخر، ليس لأنه كان الأكثر خبرة أو اجتهادًا، بل لأنه عرف الباب الذي لم يعرفه غيره.
في تلك اللحظة لا يخسر هذا الشاب وظيفة فقط، بل يخسر جزءًا من ثقته في المجتمع، ويبدأ سؤال مؤلم في التسلل إلى داخله هل كان الاجتهاد يستحق كل هذا العناء؟
هذه ليست حكاية شخص واحد، بل قصة تتكرر في صور مختلفة داخل مجتمع يدفع ثمن الواسطة كل يوم، فقد يجدها المواطن في وظيفة، أو في خدمة حكومية، أو في ترقية، أو في إنهاء إجراء، أو حتى في الحصول على فرصة كان من المفترض أن تكون متاحة للجميع وفقًا لمعيار واحد هو الاستحقاق.
ورغم أن الدولة خلال السنوات الأخيرة اتخذت خطوات واسعة لتعزيز الشفافية والرقمنة وإرساء قواعد واضحة في العديد من الخدمات والمسابقات، فإن أي ممارسات قائمة على الواسطة أينما وجدت تظل عائقًا أمام ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتؤثر سلبًا في ثقة المواطنين.
الواسطة ليست مجرد مكالمة هاتفية أو معرفة شخصية، بل هي ثقافة قادرة على تغيير مصير أشخاص، وقد تكون سببًا في ضياع حلم شاب، أو إحباط موظف، أو تأخير حق مواطن، بينما لا يترك ذلك أي أثر في دفاتر القوانين، لكنه يترك أثرًا بالغًا في نفوس الناس.
ويرى متخصصون في علم النفس أن أخطر ما تتركه الواسطة ليس فقدان الفرصة نفسها، وإنما الإحساس بالظلم. فالإنسان الذي يبذل أقصى جهده ثم يكتشف أن النتيجة حُسمت مسبقًا لصالح شخص آخر بسبب العلاقات الشخصية، يصبح أكثر عرضة لفقدان الحافز، وتراجع ثقته في قيمة الاجتهاد والعمل.
ويؤكد المتخصصون أن تكرار هذا الشعور قد يقود إلى الإحباط، وربما إلى العزوف عن المنافسة أو البحث عن فرص خارج البلاد، بعدما يترسخ لدى البعض اعتقاد بأن النجاح لا يعتمد دائمًا على الكفاءة، بل على من يعرفه الإنسان.
ولا تتوقف الخسارة عند الفرد، فالمجتمع كله يدفع الثمن، لأن الشباب عندما يفقدون إيمانهم بأن الجهد يقود إلى النجاح، تتراجع الرغبة في التطوير والإبداع، ويحل اليأس محل الطموح.
ومن زاوية علم الاجتماع، يؤكد باحثون أن الواسطة أخطر من كونها تصرفًا فرديًا، لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة اجتماعية إذا اعتاد الناس عليها أو برروها. وعندما تصبح العلاقات الشخصية هي الطريق الأسرع للحصول على الحقوق، تتراجع قيمة القانون، ويضعف الشعور بالمساواة بين المواطنين.
ويشير المتخصصون إلى أن أخطر نتائج هذه الثقافة أنها تهز ثقة المواطن في المؤسسات، وتخلق شعورًا بأن العدالة ليست واحدة للجميع، وهو ما يؤثر في الاستقرار الاجتماعي، ويضعف الانتماء، خاصة لدى الشباب الذين يبحثون عن بيئة تمنحهم الفرصة على أساس الكفاءة.
ولا تقتصر آثار الواسطة على الوظائف فقط، بل تمتد إلى مجالات عديدة، فالمؤسسة التي تمنح الفرصة لمن لا يستحقها قد تخسر صاحب الكفاءة الحقيقي، والطالب الذي يرى غيره يحصل على ما لا يستحقه قد يفقد ثقته في قيمة التفوق، والموظف المجتهد الذي يشاهد الترقيات تمر من أمامه لأسباب لا علاقة لها بالأداء، قد يتحول مع الوقت إلى موظف يؤدي الحد الأدنى فقط.
ويؤكد خبراء الإدارة العامة أن أي مؤسسة تنجح في بناء معايير واضحة وشفافة لاختيار الكفاءات تكون أكثر قدرة على التطور وتحسين جودة خدماتها، لأن الكفاءة ليست مصلحة فرد، بل هي مصلحة المؤسسة والمواطن الذي يتعامل معها.
فالواسطة لا تظلم شخصًا واحدًا فقط، وإنما قد تؤدي إلى وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، فتتراجع جودة الخدمة، ويدفع المواطن الثمن في النهاية.
وربما لهذا السبب اتجهت مؤسسات عديدة خلال السنوات الأخيرة إلى الاعتماد على النظم الإلكترونية، والإعلان عن شروط واضحة للمسابقات والخدمات، وتقليل التدخل البشري في بعض الإجراءات، بما يعزز الشفافية ويحد من أي ممارسات غير عادلة.
لكن مواجهة الواسطة لا تبدأ من اللوائح وحدها، بل من تغيير الثقافة المجتمعية، فمن يطلب واسطة للحصول على ما لا يستحقه، قد يحرم شخصًا آخر من حقه، ومن يستخدم نفوذه لتجاوز القواعد، لا يخدم المجتمع، بل يضعف ثقته في العدالة.
إن بناء مجتمع يقوم على تكافؤ الفرص لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإيمان الجميع بأن القانون يجب أن يُطبق على الجميع، وأن الكفاءة هي الطريق الطبيعي للنجاح، وأن العلاقات الشخصية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الاستحقاق.
وفي النهاية، قد تبدو الواسطة للبعض وسيلة سهلة لإنجاز مصلحة، لكنها في حقيقتها تترك خسائر لا تُقاس بالأرقام، فهي تقتل حلمًا، وتحبط موهبة، وتؤخر مستحقًا، وتزرع الشك في نفوس من اجتهدوا وانتظروا أن تكون المنافسة عادلة.
إن الأمم لا تُبنى بالمجاملات، بل بالكفاءات. ولا تنهض بالمحاباة، بل بالمساواة، وعندما يطمئن كل مواطن إلى أن حقه لن يسبقه إليه إلا من هو أكفأ منه، يصبح الاجتهاد قيمة حقيقية، وتتحول العدالة من شعار يُردد إلى واقع يعيشه الجميع.