في سوق اقتصادية تبحث عن جذب الاستثمارات وزيادة موارد الدولة، أصبح ملف الطروحات الحكومية واحدًا من أكثر الملفات التي تثير النقاش في الشارع المصري، فبينما ترى الحكومة أن طرح حصص من بعض الشركات والأصول يمثل وسيلة لإعادة هيكلة الاقتصاد وزيادة مشاركة القطاع الخاص، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه لدى المواطن ماذا سيعود عليه من هذه المليارات؟
فالحديث عن بيع حصص في شركات كبرى لا يتوقف عند قيمة الصفقة أو اسم المستثمر، وإنما يرتبط بشكل مباشر بمستقبل الاقتصاد وقدرته على خلق فرص عمل وتحسين مستوى الخدمات.
وخلال السنوات الماضية، وضعت الدولة برنامجًا لإعادة تنظيم دورها الاقتصادي من خلال وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي تهدف إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ورفع معدل الاستثمار إلى ما بين 25% و30% من الناتج المحلي الإجمالي، مع استهداف تحقيق معدلات نمو مرتفعة على المدى المتوسط.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في تنفيذ عمليات الطرح فقط، وإنما في كيفية تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية يشعر بها المواطن.
الطروحات الحكومية.. من بيع الحصص إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد
لم تبدأ فكرة الطروحات الحكومية باعتبارها عملية بيع مباشرة للأصول، وإنما جاءت ضمن رؤية اقتصادية تهدف إلى تغيير شكل مشاركة الدولة في النشاط الاقتصادي.
فوفقًا لوثيقة سياسة ملكية الدولة، فإن الحكومة تستهدف التركيز على القطاعات الاستراتيجية، مع فتح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص في قطاعات أخرى، بهدف جذب استثمارات جديدة وزيادة المنافسة وتحسين كفاءة الشركات.
وخلال السنوات الماضية، شهد برنامج الطروحات عددًا من الصفقات التي تضمنت بيع حصص لمستثمرين استراتيجيين في شركات تعمل بقطاعات مختلفة، منها القطاع المصرفي والطاقة والبتروكيماويات والخدمات.
ومن أبرز الصفقات التي حظيت باهتمام واسع، صفقة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على حصص في عدد من الشركات المصرية بقيمة بلغت نحو 1.3 مليار دولار عام 2022، ضمن توجه لجذب استثمارات عربية وأجنبية.
كما أعلنت الحكومة عن برنامج أوسع للطروحات يستهدف عددًا من الشركات المملوكة للدولة بهدف زيادة تدفقات النقد الأجنبي وتوسيع قاعدة الملكية.
ويرى المؤيدون أن دخول مستثمرين جدد يمكن أن يرفع كفاءة الشركات ويزيد قدرتها على التوسع، بينما يرى آخرون أن نجاح هذه السياسة مرتبط بوضوح آليات التقييم والإعلان عن استخدام العوائد.
مليارات تدخل الدولة.. هل تصل آثارها إلى المواطن؟
المشكلة الأساسية ليست في حجم الأموال الناتجة عن الطروحات فقط، وإنما في السؤال الأصعب كيف يتم استخدام هذه الأموال؟
فالعائد من بيع حصص في الشركات يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا إذا تم توجيهه إلى مجالات تحقق عائدًا مستمرًا، مثل دعم الاستثمار الإنتاجي، أو تخفيف أعباء الدين، أو تمويل مشروعات تزيد من قدرة الاقتصاد على النمو.
لكن المواطن لا يتعامل مع الأرقام الاقتصادية المجردة، فهو ينتظر نتائج ملموسة تتمثل في فرص عمل جديدة، وأسعار أكثر استقرارًا، وخدمات أفضل.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من مرحلة "إتمام الصفقة" إلى مرحلة "قياس الأثر"، فنجاح أي برنامج اقتصادي لا يقاس فقط بحجم الأموال التي دخلت الخزانة العامة، وإنما بما أحدثه من تغيير في النشاط الاقتصادي.
فالاستثمار الحقيقي لا يعني فقط انتقال ملكية حصة من شركة إلى مستثمر، بل يعني زيادة الإنتاج، وتوسيع المصانع، وفتح أسواق جديدة، وزيادة الصادرات.
ولهذا فإن المواطن من حقه أن يعرف هل أصبحت الطروحات وسيلة لسد احتياجات مالية عاجلة فقط، أم أنها جزء من خطة طويلة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا؟
الشفافية.. كلمة السر في نجاح برنامج الطروحات
رغم اختلاف الآراء حول برنامج بيع الأصول، فإن هناك اتفاقًا على أن الشفافية ستكون العامل الحاسم في نجاحه.
فكلما كانت المعلومات متاحة حول الشركات المطروحة، وقيمة التقييمات، وطريقة اختيار المستثمرين، وأوجه استخدام العائد، زادت ثقة المواطنين والمستثمرين في البرنامج.
كما أن نجاح الطروحات يحتاج إلى أن يكون المستثمر الجديد شريكًا في التنمية، وليس مجرد مشتري لحصة، من خلال ضخ استثمارات جديدة والحفاظ على العمالة وزيادة الإنتاج.
وتؤكد التجارب الاقتصادية أن بيع الأصول لا يمثل نجاحًا أو فشلًا في حد ذاته، وإنما تتحدد نتائجه وفق طريقة الإدارة بعد البيع، وحجم القيمة التي يضيفها المستثمر الجديد.
وفي النهاية، فإن المواطن لن يحكم على برنامج الطروحات بعدد الشركات التي تم بيع حصص منها، ولا بقيمة الصفقات التي أُعلنت، وإنما بما يراه في حياته اليومية.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم باعت الحكومة؟
بل: ماذا تغير بعد البيع؟
إذا تحولت هذه الخطوات إلى استثمارات وإنتاج وفرص عمل، فسيكون المواطن هو المستفيد الأول، أما إذا بقيت الأرقام بعيدة عن واقع الناس، فسيظل الجدل قائمًا حول جدوى هذه السياسة.
الحكومة تبيع.. لكن النجاح الحقيقي هو أن يشعر المواطن بثمن ما تم بيعه.