هناك زلازل تنتهي في ثوانٍ، وزلازل أخرى تستمر آثارها لسنوات، وما شهدته مصر لم يكن مجرد اهتزاز للأرض، بل كان جرس إنذار مدويًا كشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الهزة، وإنما في آلاف المباني القديمة والعقارات المائلة التي تعيش فوقها أسر كاملة وهي لا تعلم إن كانت ستستيقظ في صباح اليوم التالي أم ستصبح أرقامًا جديدة في قوائم الضحايا.
فالطبيعة لا يمكن التحكم فيها، لكن الإهمال يمكن منعه، والكارثة لا تبدأ عندما تهتز الأرض، بل عندما ينهار مبنى كان الجميع يعلم أنه يمثل خطرًا، ولم يتحرك أحد لإنقاذ من بداخله، ولهذا فإن الزلزال الأخير يجب ألا يمر باعتباره خبرًا عابرًا، وإنما بداية لمراجعة شاملة لسلامة الثروة العقارية في مصر، قبل أن تدفع الدولة والمواطنون ثمن التأخير.
الزلزال يفتح ملف العقارات القديمة.. الخطر الذي يسكن بين الجدران
مع كل هزة أرضية تعود المخاوف من جديد حول حالة المباني القديمة والعقارات المائلة والآيلة للسقوط، خاصة تلك التي تعاني من تصدعات واضحة أو صدرت بشأنها قرارات إزالة أو ترميم ولم تدخل حيز التنفيذ.
فالمشكلة لا تكمن في الزلزال وحده، وإنما في المباني التي فقدت قدرتها على التحمل بسبب مرور عشرات السنوات دون صيانة، أو بسبب مخالفات إنشائية وزيادة أحمال وإضافة طوابق دون دراسات هندسية.
ويؤكد خبراء الهندسة الإنشائية أن الزلازل لا تتسبب وحدها في انهيار العقارات، وإنما تكشف نقاط الضعف الموجودة بالفعل داخل المبنى، فالعقار المصمم وفق المعايير الهندسية يستطيع تحمل الهزات بدرجات متفاوتة، بينما يصبح المبنى المتهالك أو المخالف أكثر عرضة للخطر.
أرقام تكشف حجم الأزمة
لا يتوقف ملف العقارات الخطرة عند المشاهد التي نراها عقب الانهيارات، فالأرقام تكشف حجم التحدي. ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، توجد عشرات الآلاف من المباني التي تحتاج إلى الهدم أو الترميم، بينها عقارات مصنفة كغير قابلة للترميم وتحتاج إلى الإزالة، بالإضافة إلى ملايين المباني التي تحتاج إلى أعمال صيانة بدرجات مختلفة.
وتشير تقديرات ودراسات متخصصة إلى أن انتشار العقارات القديمة، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، يمثل تحديًا كبيرًا أمام أجهزة الدولة، لأن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى حصر دقيق، وأولويات واضحة، وموارد مالية كبيرة.
زلزال 1992.. التجربة التي كشفت الحقيقة
يبقى زلزال 12 أكتوبر 1992 أحد أهم الدروس في تاريخ مصر الحديث، بعدما ضرب مناطق واسعة وشعر به الملايين، وكشف حجم التأثير الذي يمكن أن تسببه الهزات الأرضية عندما تتزامن مع ضعف بعض المباني.
بلغت قوة الزلزال نحو 5.9 درجة على مقياس ريختر، وأسفر عن سقوط مئات الضحايا وإصابة الآلاف، إضافة إلى تضرر آلاف المباني. وكانت الرسالة الأهم التي خرجت بها الدولة والمجتمع أن سلامة المبنى وجودة التنفيذ والصيانة عوامل لا تقل أهمية عن قوة الزلزال نفسه.
وبعد تلك التجربة، جرى تطوير اشتراطات البناء وإدخال معايير لمقاومة الزلازل في المباني الحديثة، لكن بقي التحدي الأكبر في العقارات القديمة التي شُيدت قبل هذه الاشتراطات، والتي ما زال يسكنها ملايين المواطنين.
انهيارات العقارات.. مشاهد تتكرر والسبب واحد
على مدار السنوات الماضية شهدت مصر عددًا من حوادث انهيار العقارات التي خلفت ضحايا وخسائر كبيرة، وكان العامل المشترك في كثير منها وجود مخالفات إنشائية أو إهمال في الصيانة أو تجاهل لتحذيرات سابقة بشأن خطورة المبنى.
من انهيارات العقارات القديمة في الإسكندرية والقاهرة، إلى وقائع أخرى في عدد من المحافظات، تكررت نفس التفاصيل: مبنى ظهرت عليه علامات الخطر، وشكاوى من السكان، وقرارات تحتاج إلى تنفيذ، ثم تأتي اللحظة التي يتحول فيها التحذير إلى مأساة.
هذه الحوادث تؤكد أن التعامل مع العقارات المهددة لا يجب أن يبدأ بعد الانهيار، بل قبل ذلك بوقت كافٍ، من خلال الفحص المستمر واتخاذ الإجراءات الوقائية.
لجان هندسية عاجلة لفحص العقارات المائلة والآيلة للسقوط
الزلزال الأخير يعيد طرح ضرورة تشكيل لجان هندسية دائمة في جميع المحافظات، تضم متخصصين من المحليات ونقابة المهندسين وكليات الهندسة والحماية المدنية، مهمتها فحص العقارات المائلة والآيلة للسقوط، وتحديد درجة الخطورة، ووضع حلول عاجلة لكل حالة.
كما يجب إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للعقارات الخطرة، تتضمن حالتها الإنشائية، وقرارات الترميم أو الإزالة الصادرة بشأنها، وما تم تنفيذه منها، حتى لا تبقى الملفات داخل الأدراج حتى وقوع الكارثة.
ويرى خبراء أن الكشف المبكر عن مشكلات المباني أقل تكلفة بكثير من التعامل مع آثار الانهيارات، سواء من الناحية الإنسانية أو الاقتصادية.
الإعلام والوعي.. خط الدفاع الأول
كما كشفت الهزة الأخيرة أهمية مواجهة الشائعات، فقد انتشرت خلال الساعات الأولى أخبار غير دقيقة تسببت في زيادة حالة القلق بين المواطنين.
وهنا يأتي دور الإعلام المسؤول في تقديم المعلومات الصحيحة، ونشر ثقافة التعامل مع الزلازل، وتعريف المواطنين بعلامات الخطورة داخل المباني، مثل الشروخ الإنشائية الكبيرة أو الميل الواضح أو تغيرات الأساسات.
الزلزال انتهى.. لكن ملف العقارات لا يحتمل التأجيل
قد تهدأ الأرض بعد الزلزال، لكن ملفات الخطر تبقى مفتوحة. فالمباني المائلة والآيلة للسقوط لا تنتظر هزة جديدة حتى تصبح خطرًا، وإنما تحتاج إلى تحرك مبكر يحمي الأرواح قبل أن تتحول التحذيرات إلى ضحايا.
فالدرس الأكبر من زلزال 1992 ومن حوادث انهيار العقارات التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية هو أن الكارثة لا تبدأ لحظة الانهيار، بل تبدأ عندما نرى الخطر ونتأخر في مواجهته.
ولهذا فإن فحص العقارات القديمة، وتنفيذ قرارات الإزالة والترميم، وتشكيل لجان هندسية متخصصة، ليست إجراءات احترازية فقط، بل هي مسؤولية لحماية حياة المواطنين ومنع مأساة جديدة قبل وقوعها.