لم تكن واقعة اتهام محامية في الإسكندرية بقتل والدتها مجرد جريمة أثارت الرأي العام بسبب بشاعة تفاصيلها، لكنها حملت معها مفارقة إنسانية واجتماعية لافتة؛ بعدما وجدت سيدة كانت تظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في محتوى يتناول العلاقات الأسرية وحل المشكلات الزوجية، نفسها في مواجهة اتهام جنائي خطير داخل محيط أسرتها.

القضية لم تشغل المتابعين بسبب تفاصيلها الجنائية فقط، وإنما بسبب التناقض بين الصورة التي قدّمها حسابها على منصات التواصل الاجتماعي، وبين الاتهامات التي تواجهها أمام جهات التحقيق، لتعيد فتح النقاش حول طبيعة الشخصيات التي تظهر على الإنترنت، وهل تعكس دائمًا واقع أصحابها أم أنها قد تكون مجرد صورة جزئية لا تكشف كل التفاصيل.

بداية سقوط الستار

بدأت تفاصيل الواقعة بعد تلقي الأجهزة الأمنية بلاغًا من سكان أحد العقارات بمنطقة سيدي بشر قبلي بمحافظة الإسكندرية، يفيد بانبعاث رائحة كريهة من داخل إحدى الشقق.

وعلى الفور انتقلت قوات الأمن إلى مكان البلاغ، حيث عُثر داخل الشقة على جثمان سيدة مسنة في ظروف كشفت عن وجود شبهة جنائية، لتبدأ الأجهزة المختصة في إجراء التحريات اللازمة لكشف ملابسات الواقعة.

وبحسب ما أعلنته التحقيقات الأولية، تركزت الشبهات حول ابنة المجني عليها، وهي محامية، قبل أن يتم ضبطها لاحقًا بمدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات للوقوف على حقيقة الواقعة وملابساتها.

ولا تزال القضية قيد التحقيق، ولم يصدر حكم قضائي نهائي بشأن الاتهامات الموجهة إلى المتهمة.

من تقديم النصائح الأسرية إلى دائرة الاتهام

خلال ساعات من انتشار خبر الواقعة، تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي معلومات عن المتهمة، من بينها أنها كانت تقدم محتوى يتعلق بالعلاقات الأسرية والمشكلات الزوجية، وهو ما دفع البعض إلى طرح تساؤلات حول المفارقة بين طبيعة المحتوى الذي كانت تقدمه، وبين الاتهام الذي تواجهه.

لكن حتى الآن لا توجد معلومات رسمية تؤكد حصولها على صفة "خبيرة أسرية" أو اعتماد مهني في مجال الإرشاد الأسري، وإنما تشير المعلومات المتداولة إلى تقديمها محتوى عبر الإنترنت يتناول موضوعات مرتبطة بالعلاقات الأسرية.

وهنا يظهر تساؤل مهم: هل الشخص الذي يقدم النصائح للآخرين يكون بالضرورة قادرًا على إدارة أزماته الخاصة؟

بين الصورة الرقمية والحقيقة الإنسانية

يرى خبراء في علم النفس أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مساحة لصناعة صور ذهنية عن الأشخاص، قد تكون حقيقية في بعض جوانبها لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما يمرون به في حياتهم الخاصة.

ويؤكد متخصصون أن الإنسان قد يمتلك قدرة على الحديث عن الحلول، وتحليل مشكلات الآخرين، وتقديم النصائح، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه صعوبات في التعامل مع ضغوطه الشخصية أو إدارة أزماته الداخلية.

ويشير الخبراء إلى أن هناك فرقًا بين المعرفة النظرية والقدرة العملية على تطبيقها؛ فالشخص الذي يتحدث عن أهمية الحوار الأسري قد يمر هو نفسه بخلافات أو ضغوط لا يعرفها المحيطون به.

كما يوضح المتخصصون أن نجاح الإنسان في مجال معين لا يعني بالضرورة خلو حياته الخاصة من المشكلات، فالمهنة أو الصورة العامة لا تمنح صاحبها حصانة نفسية أو اجتماعية ضد الأزمات.

هل يمكن للنصيحة أن تختلف عن السلوك؟

يؤكد خبراء الصحة النفسية أن الإنسان ليس شخصية واحدة ثابتة في كل المواقف، فقد يظهر بصورة معينة أمام الجمهور أو في العمل، بينما يعيش داخليًا صراعات أو ضغوطًا مختلفة.

ويرى المتخصصون أن تقديم محتوى إيجابي أو نصائح للآخرين لا يكفي للحكم على الحالة النفسية لصاحب هذا المحتوى، كما أن الوقوع في أزمة لا يعني بالضرورة أن كل ما كان يقدمه من أفكار أو نصائح كان غير صحيح.

فقد يمتلك الإنسان معلومات صحيحة عن التعامل مع المشكلات، لكنه يفشل أحيانًا في تطبيقها عندما يكون طرفًا داخل الأزمة بسبب تأثير المشاعر والانفعالات والظروف المحيطة.

مخاطر انتشار لقب "الخبير" على السوشيال ميديا

تفتح القضية أيضًا ملفًا أوسع يتعلق بانتشار ظاهرة تقديم الاستشارات الأسرية والنفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويحذر متخصصون من التعامل مع كل من يقدم محتوى على الإنترنت باعتباره خبيرًا أو متخصصًا، مؤكدين أن مجالات مثل الصحة النفسية والإرشاد الأسري تحتاج إلى تأهيل علمي وخبرة مهنية، لأن النصائح غير المتخصصة قد تؤثر على قرارات حساسة في حياة الأفراد.

ويطالب الخبراء بضرورة زيادة الوعي لدى الجمهور، والتأكد من خلفية من يقدمون الاستشارات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشكلات زوجية أو نفسية معقدة.

الجريمة داخل الأسرة.. أسباب متعددة لا تفسير واحد

يشير المتخصصون إلى أن الجرائم الأسرية من أكثر القضايا تعقيدًا، لأنها عادة لا تنتج عن عامل واحد، وإنما عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية وأسرية قد تتراكم لفترات طويلة.

ويؤكدون أن فهم أي جريمة يحتاج إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، ودراسة كل الظروف المحيطة بالواقعة، بعيدًا عن الأحكام السريعة أو التفسيرات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

الكلمة الأخيرة

تكشف قضية المحامية المتهمة في واقعة قتل والدتها عن سؤال أكبر من تفاصيل الجريمة نفسها: هل الصورة التي نراها عن الأشخاص عبر الإنترنت تمثل حقيقتهم كاملة؟

فبينما تواصل الجهات المختصة تحقيقاتها لكشف ملابسات الواقعة، تظل القضية تذكيرًا بأن الإنسان قد يقدم صورة عامة تختلف عن تفاصيل حياته الخاصة، وأن تقييم أي شخص أو واقعة يجب أن يستند إلى الحقائق والتحقيقات، لا إلى الانطباعات وحدها.

فالعدالة لا تبنى على ما يُقال على مواقع التواصل، وإنما على ما تثبته الأدلة أمام جهات التحقيق والقضاء.