خلف ملايين الأبواب المغلقة توجد قصة مختلفة عن أزمة السكن في مصر؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه شباب وأسر عن وحدة مناسبة للعيش، تقف ثروة عقارية ضخمة خارج دائرة الاستخدام، لا تدخل سوق الإيجار ولا تتحول إلى قيمة اقتصادية يستفيد منها المجتمع.
تكشف بيانات التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت عن وجود نحو 12 مليونًا و498 ألف وحدة سكنية خالية أو مغلقة في مصر، وهو رقم يعكس مفارقة كبيرة بين حجم الوحدات الموجودة بالفعل وبين صعوبة حصول قطاعات واسعة من المواطنين على مسكن مناسب.
الأزمة هنا لا تبدو مجرد أزمة نقص في عدد الشقق، وإنما أزمة في كيفية إدارة الثروة العقارية القائمة؛ فهناك ملايين الوحدات التي تم إنفاق مليارات الجنيهات على إنشائها وتشطيبها، لكنها بقيت خارج دورة الاستخدام، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار العقارات والإيجارات وأصبحت تكلفة السكن واحدة من أكبر التحديات أمام الشباب.
هذه المفارقة تفتح ملفًا أكثر تعقيدًا؛ فهل تحتاج مصر إلى بناء المزيد من الوحدات فقط، أم أن جزءًا من الحل يكمن في إعادة النظر في كيفية استغلال الوحدات الموجودة بالفعل؟ فالعقار غير المستخدم لا يمثل مجرد مساحة مغلقة، بل يمثل أموالًا مجمدة وموارد لم تدخل الدورة الاقتصادية.
وتتنوع أسباب بقاء هذه الوحدات مغلقة؛ فبعضها تم شراؤه باعتباره استثمارًا طويل الأجل وحفاظًا على قيمة الأموال، خاصة مع تغيرات الأسعار خلال السنوات الماضية، بينما تنتظر وحدات أخرى انتقال الأبناء إليها مستقبلًا، أو تظل مغلقة بسبب خلافات الميراث وعدم الاتفاق بين الورثة على بيعها أو تأجيرها.
كما توجد وحدات تم إغلاقها بسبب غياب أصحابها خارج البلاد، أو بسبب عدم الانتهاء من إجراءات قانونية أو إدارية مرتبطة بالملكية، إضافة إلى شريحة من الملاك تفضل الاحتفاظ بالعقار فارغًا بدلًا من تأجيره، خوفًا من النزاعات أو صعوبة استرداد الوحدة عند الحاجة.
ويكشف هذا الواقع عن تغير طبيعة العلاقة بين المواطن والعقار؛ فلم يعد شراء الشقة مرتبطًا فقط بالحاجة إلى السكن، بل أصبح لدى كثيرين وسيلة للادخار وحماية الأموال من تراجع القيمة، وهو ما جعل العقار أحد أكثر الأصول جذبًا للمصريين.
لكن الجانب الآخر من هذه المعادلة يظهر في سوق السكن، حيث يؤدي خروج أعداد كبيرة من الوحدات من التداول إلى تقليل المعروض المتاح، وهو ما يساهم في استمرار ارتفاع أسعار الإيجارات والتمليك، ويزيد من الضغوط على المواطنين الباحثين عن مسكن.
وفي هذا السياق، يرى خبراء في ملف الإسكان والعمران أن ظاهرة الوحدات المغلقة تكشف أن أزمة السكن في مصر لا ترتبط فقط بحجم الإنشاءات الجديدة، وإنما بكفاءة إدارة السوق العقارية، مؤكدين أن وجود ملايين الوحدات خارج الاستخدام يمثل فجوة بين الثروة العقارية المتاحة والاحتياجات الفعلية للمواطنين.
ويشير خبراء التخطيط العمراني إلى أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى رؤية مختلفة لطبيعة السكن في مصر، موضحين أن بعض الوحدات المغلقة ترتبط بظروف اجتماعية واستثمارية متشابكة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد وحدات مهجورة، لأن جزءًا منها يمثل مدخرات لأسر ومصدر أمان اقتصادي لها.
كما يؤكد متخصصون أن انتشار بعض المناطق العشوائية لم يكن سببه فقط غياب الوحدات السكنية، وإنما عدم توافق المعروض الرسمي مع قدرات المواطنين أو قربه من أماكن العمل، وهو ما دفع شرائح من السكان إلى البحث عن حلول خارج التخطيط العمراني.
ويرى الخبراء أن الحل لا يكمن في زيادة البناء فقط، وإنما في تحقيق توازن بين توفير وحدات مناسبة للدخل الحقيقي للمواطنين، وتحسين منظومة الإيجار، وتشجيع إعادة استغلال جزء من الوحدات القائمة بدلًا من استمرار بقائها خارج الدورة الاقتصادية.
وفي المقابل، يواجه الشباب تحديات متزايدة؛ فالحصول على شقة أصبح من أكبر العقبات أمام تأسيس الأسرة، بعدما ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات بشكل يفوق قدرة كثير من المواطنين، وأصبح توفير السكن يحتاج إلى سنوات طويلة من الادخار أو حلول تمويلية قد لا تكون متاحة للجميع.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على الراغبين في التملك فقط، بل امتدت إلى سوق الإيجار، حيث أصبحت القيمة الشهرية للإيجار تمثل عبئًا كبيرًا على كثير من الأسر، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق التي تشهد طلبًا مرتفعًا على السكن.
ورغم استمرار الدولة في تنفيذ مشروعات عمرانية وإنشاء مدن جديدة وزيادة المعروض من الوحدات، فإن ملف الشقق المغلقة يظل أحد الملفات التي تحتاج إلى حلول مبتكرة، لأن زيادة البناء وحدها لا تعني بالضرورة حل الأزمة ما لم تتواكب مع سياسات تحقق الاستفادة القصوى من الثروة العقارية الموجودة.
وقد تكون الحوافز الاقتصادية والقانونية أحد الحلول الممكنة، مثل تشجيع التأجير طويل الأجل، وتطوير منظومة التعاقدات، وتوفير ضمانات أكبر تقلل مخاوف الملاك، بما يساهم في زيادة المعروض دون فرض إجراءات قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
كما أن تطوير قواعد البيانات الخاصة بالثروة العقارية يمثل خطوة مهمة لفهم حجم المشكلة بشكل أكثر دقة، وتحديد طبيعة الوحدات المغلقة وأسباب خروجها من السوق، بما يسمح بوضع سياسات أكثر فاعلية.
فأزمة السكن في مصر ليست مجرد قصة عن عدد الشقق التي يتم بناؤها، وإنما قصة عن وحدات موجودة لكنها غير مستغلة، وعن أموال متوقفة خلف جدران صامتة، وعن مواطن يبحث عن حل في سوق يمتلك بالفعل جزءًا من الإجابة.
وفي النهاية، تبقى ملايين الوحدات المغلقة ملفًا يجمع بين الاقتصاد والمجتمع، فهي من ناحية تمثل ثروة عقارية هائلة، ومن ناحية أخرى تكشف عن فجوة تحتاج إلى معالجة بين ما هو موجود وما هو متاح.
فخلف كل باب مغلق فرصة مؤجلة، والسؤال الحقيقي لم يعد فقط: كم وحدة تحتاج مصر؟ بل: كيف يمكن تحويل الثروة العقارية الموجودة بالفعل إلى جزء من الحل؟