لم يعد المشهد غريبًا كما كان قبل سنوات، تقع مشاجرة في أحد الشوارع، ويشهر أحد أطرافها سلاحًا أبيض، بينما يقف العشرات في دائرة واسعة لا يتقدمون خطوة واحدة، لا يصرخ أحد لفض الاشتباك، ولا يحاول كثيرون حماية الضحية أو إبعاد الأطفال، وإنما تتجه الأيدي سريعًا إلى الهواتف المحمولة، يبدأ التصوير قبل أن يبدأ التفكير في إنقاذ إنسان قد يفقد حياته بعد لحظات.
وفي حادث سير مروع، أو حريق يلتهم منزلًا، أو اعتداء دموي في وضح النهار، يتكرر المشهد نفسه؛ عشرات الكاميرات تعمل في وقت واحد، بينما تتأخر يد واحدة تمتد للمساعدة، وكأن المجتمع دخل مرحلة جديدة أصبح فيها توثيق المأساة أهم من محاولة منعها، وأصبح الحصول على مقطع فيديو يحقق آلاف المشاهدات أكثر أهمية عند البعض من إنقاذ روح قد لا تتكرر لها فرصة الحياة.
لم تعد مشاهد القتل والبلطجة والاعتداءات الصادمة تنتقل إلينا عبر كاميرات المراقبة فقط، بل عبر هواتف مواطنين كانوا قادرين ولو بالصراخ أو طلب النجدة أو الاتصال بالإسعاف أو محاولة تشتيت المعتدي على أن يكونوا جزءًا من الحل، لكنهم اختاروا أن يكونوا مجرد مصورين للمشهد.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: متى تحول الإنسان من منقذ إلى متفرج؟ ومتى أصبحت الكاميرا أسرع من الضمير؟
ليست المشكلة في التصوير نفسه، فتوثيق الوقائع قد يكون أحيانًا ضرورة لكشف الحقيقة أو إثبات الجريمة، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الهاتف إلى بديل عن الواجب الإنساني، وعندما تصبح المشاهدات والإعجابات أهم من حياة إنسان ينزف أمام أعين الجميع.
لقد فرضت مواقع التواصل الاجتماعي ثقافة جديدة، جعلت البعض يرى في كل حادث فرصة لصناعة محتوى، وفي كل مأساة مادة قابلة للنشر. ومع مرور الوقت، تغيرت ردود الأفعال؛ فأصبح السؤال الأول: "هل صورت؟" بدلًا من "هل أنقذته؟".
والأخطر أن هذا السلوك لم يعد يقتصر على الكبار، بل انتقل إلى الأجيال الأصغر التي نشأت وهي ترى أن قيمة الحدث تقاس بعدد مرات المشاهدة، لا بحجم الألم الذي يتركه خلفه.
في كثير من وقائع القتل أو الاعتداءات، يظهر في الفيديو أشخاص يقفون على بعد خطوات قليلة من الضحية، يراقبون المشهد من خلف شاشات هواتفهم، وربما لو بادر عدد منهم بالصراخ، أو طلب الشرطة، أو استدعاء الإسعاف، أو التدخل الجماعي إذا كان ذلك آمنًا، لتغيرت النهاية في بعض الحالات، صحيح أن التدخل المباشر ليس ممكنًا دائمًا، خاصة إذا كان المعتدي مسلحًا، لكن الاكتفاء بالتصوير وحده لا ينبغي أن يكون هو رد الفعل الوحيد.
علم النفس يفسر جزءًا من هذه الظاهرة بما يسمى "تأثير المتفرج"؛ فكلما زاد عدد الحاضرين، شعر كل فرد أن غيره سيتحمل المسؤولية. لكن التكنولوجيا أضافت بُعدًا أكثر خطورة، إذ منحت البعض دورًا جديدًا أن يكون "صانع محتوى" بدلًا من صانع نجدة، وهكذا تحولت الكاميرا من وسيلة توثيق إلى وسيلة مشاركة سلبية في الحدث.
ولا تقتصر الخسارة على الضحية وحده، بل تمتد إلى المجتمع كله. فحين يشاهد الأطفال والناشئة هذه المقاطع يومًا بعد يوم، ويلاحظون أن الناس يصورون أكثر مما يساعدون، فإنهم يتعلمون دون قصد أن المشاهدة تكفي، وأن دور الإنسان قد ينتهي عند الضغط على زر التسجيل.
كما أن نشر مقاطع الضحايا دون مراعاة لكرامتهم يترك آثارًا نفسية قاسية على أسرهم. فكم من أم رأت ابنها مصابًا عبر شاشة هاتف قبل أن يصلها الخبر؟ وكم من أب اضطر لمشاهدة لحظات الاعتداء على ابنه تتداولها الصفحات قبل أن يودعه للمرة الأخيرة؟ إنها جراح لا تلتئم بسهولة، لأن الألم يتجدد مع كل إعادة نشر.
ولا يعني ذلك أن التصوير يجب أن يتوقف في كل الأحوال. فهناك مواقف يكون فيها توثيق الجريمة وسيلة مهمة لمحاسبة الجناة وإثبات الحقيقة، لكن الفارق كبير بين شخص يصور بعد أن يتأكد من إبلاغ الشرطة أو الإسعاف، وبين آخر يكتفي بالتصوير ويغادر المكان وكأنه أدى واجبه.
إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يمتلكه من تكنولوجيا، وإنما بما يحتفظ به من قيم وإذا فقد الإنسان إحساسه بالمسؤولية تجاه من يتألم أمامه، فلن تعوضه ملايين المقاطع المنتشرة على الإنترنت.
وربما آن الأوان لإعادة تعريف البطولة. فالبطل الحقيقي ليس من التقط أوضح فيديو، ولا من حصل على أعلى نسبة مشاهدة، وإنما من اتصل بالإسعاف في اللحظة المناسبة، أو استدعى الشرطة، أو أبعد الناس عن الخطر، أو قدم الإسعافات الأولية إن كان قادرًا، أو ساهم في إنقاذ حياة إنسان.
فالهواتف ستتغير، ومنصات التواصل ستتبدل، لكن موقفًا إنسانيًا واحدًا قد يبقى محفورًا في ذاكرة أسرة كاملة وقد لا يتذكر أحد بعد سنوات من نشر أول مقطع فيديو لحادثة مأساوية، لكن الجميع سيتذكر الشخص الذي مد يده لينقذ حياة إنسان.
لأن الإنسانية لا تُقاس بعدد المقاطع التي نوثقها، بل بعدد الأرواح التي نحاول إنقاذها وعندما تسبق الكاميرا الرحمة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من صوّر؟ بل: من حاول أن يمنع المأساة؟