في الاستقبال والطوارئ لا تأتي الحالات وفق جدول، ولا تمنح الإصابات الخطرة الأطباء وقتًا طويلًا للتفكير؛ حادث على الطريق، نزيف حاد، مصاب يحتاج إلى جراحة عاجلة، أو مريض يصل في حالة حرجة، وفي دقائق يجب أن تتحرك أقسام وتخصصات عدة كأنها فريق واحد، هنا لا تكون الإدارة مكتبًا بعيدًا عن غرف العلاج، بل جزءًا من منظومة تتحمل مسؤولية القرار والجاهزية وسرعة التدخل.
وفي قلب هذه المنظومة يقف الدكتور طارق عبد المنعم عبد الظاهر عبد المنعم، مدير عام مستشفى الاستقبال والطوارئ الجامعي بجامعة المنيا، قادمًا إلى موقع الإدارة من واحد من أكثر التخصصات ارتباطًا بالدقائق الفاصلة في حياة المرضى: التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم.
مسيرته لم تبدأ من كرسي الإدارة، وإنما من غرف العمليات والعناية، حيث التعامل المباشر مع الحالات الحرجة ومراقبة الوظائف الحيوية والاستجابة للمضاعفات المفاجئة، ومنها امتدت رحلته إلى العمل الأكاديمي والبحث العلمي بكلية الطب، قبل أن ينتقل إلى مسؤولية أكبر إدارة مستشفى تستقبل أبوابه الحالات التي لا تحتمل الانتظار.
ومن الطبيب والأكاديمي إلى مدير إحدى أهم بوابات الطوارئ داخل مستشفيات جامعة المنيا، تشكلت رحلة طارق عبد المنعم في مساحة يلتقي فيها العلم بالقرار، والخبرة الطبية بالإدارة، والوقت بمصير المريض؛ رحلة تجعل من سيرته المهنية مدخلًا لقراءة ما يجري خلف أبواب مستشفى تكون فيه كل دقيقة محسوبة.
من هو الدكتور طارق عبد المنعم؟
الدكتور طارق عبد المنعم عبد الظاهر عبد المنعم، طبيب وأكاديمي بكلية الطب في جامعة المنيا، وينتمي إلى قسم التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، وهو التخصص الذي شكّل الجزء الأساسي من مسيرته الطبية والأكاديمية.
وطبيعة هذا التخصص وضعته منذ البداية بالقرب من أكثر الحالات حساسية؛ فطبيب التخدير والعناية المركزة يتعامل مع المرضى داخل غرف العمليات، ويراقب الوظائف الحيوية، ويتدخل في الحالات الحرجة والمضاعفات، ويتابع المرضى الذين يحتاجون إلى مستويات دقيقة من الرعاية والمراقبة.
هذه الخلفية الطبية أصبحت لاحقًا ذات أهمية خاصة مع انتقال عبد المنعم إلى الإدارة، خصوصًا أن الموقع الذي تولى مسؤوليته يرتبط بصورة مباشرة بالحوادث والإصابات والحالات الحرجة.
مسيرة تجمع بين الطب والعمل الأكاديمي
إلى جانب ممارسته الطبية، ارتبطت رحلة عبد المنعم بالعمل الأكاديمي والبحث العلمي داخل كلية الطب بجامعة المنيا، وشارك في عدد من الأبحاث المرتبطة بمجالات التخدير والرعاية الحرجة وتحسين النتائج العلاجية للمرضى.
وتناولت أعمال بحثية شارك فيها موضوعات من بينها التعافي المعزز بعد الولادة القيصرية وتأثيره على جودة التعافي ورضا المريضات، إلى جانب دراسات مرتبطة ببعض التدخلات الدوائية في الحالات العصبية والحرجة، واستخدام تقنيات ومواد مساعدة في التخدير الموضعي.
ويكشف هذا الجانب عن مسار لم يتوقف عند الممارسة الإكلينيكية، وإنما امتد إلى البحث ومحاولة تطوير طرق التعامل مع المرضى وتحسين جودة الرعاية الطبية.
2023.. الانتقال إلى قيادة الاستقبال والطوارئ
شهد عام 2023 واحدة من أبرز المحطات في المسار المهني للدكتور طارق عبد المنعم، بعدما تولى مسؤولية إدارة وحدة الاستقبال والطوارئ ضمن حركة قيادات بالمستشفيات الجامعية بجامعة المنيا.
ومثّل هذا التكليف انتقالًا من مسؤولية الطبيب والأكاديمي إلى نطاق إداري أوسع، يتعلق بإدارة منظومة تستقبل الحالات الطارئة والمصابين وتحتاج إلى تنسيق دائم بين تخصصات مختلفة.
ومع استمرار تجربته الإدارية، جرى تجديد تعيينه مديرًا عامًا لمستشفى الاستقبال والطوارئ الجامعي، ليستمر في قيادة المستشفى ضمن منظومة المستشفيات الجامعية بجامعة المنيا.
مستشفى لا يعرف مواعيد مسبقة
خصوصية المسؤولية التي يتولاها عبد المنعم ترتبط بطبيعة مستشفى الاستقبال والطوارئ نفسه.
فالمستشفى لا يتعامل فقط مع مريض يأتي للكشف أو لإجراء طبي محدد مسبقًا، وإنما يمثل إحدى نقاط الاستقبال الأساسية للحوادث والإصابات والحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
ومنذ دخول الحالة، تبدأ سلسلة من الإجراءات المتزامنة؛ تقييم أولي، فحوص وتحاليل وأشعة، استدعاء التخصص المطلوب، ثم تحديد ما إذا كانت الحالة تحتاج إلى تدخل جراحي أو علاج عاجل أو دخول العناية المركزة.
وتتطلب هذه الدورة وجود تنسيق مستمر بين الجراحة والتخدير والعناية المركزة والأشعة والمعامل والتمريض والإنعاش، وهي منظومة يصبح الوقت فيها أحد أهم عناصر النجاح.
تخصص يلتقي مع طبيعة المسؤولية
يمنح تخصص عبد المنعم في التخدير والعناية المركزة بعدًا مختلفًا لتجربته الإدارية؛ إذ إن الانتقال إلى إدارة الطوارئ لم يكن انتقالًا إلى مجال بعيد عن خبرته الطبية.
فغرف العمليات والعناية المركزة والطوارئ تلتقي جميعها عند نقطة واحدة: المريض الذي لا يحتمل التأخير.
ومن هنا، انتقلت مسؤوليته من متابعة حالة بعينها داخل غرفة العمليات أو العناية إلى مسؤولية تتعلق بجاهزية منظومة كاملة لاستقبال الحالات والتعامل معها، بدءًا من الكوادر الطبية والتمريضية وصولًا إلى الأجهزة والخدمات التشخيصية والتخصصات الجراحية المختلفة.
الحالات الحرجة.. الاختبار الحقيقي للطوارئ
وتظهر كفاءة أي منظومة للطوارئ بصورة أكبر عندما تصل الحالات شديدة الخطورة التي تحتاج إلى تدخل أكثر من تخصص في توقيت واحد.
وخلال الفترة الأخيرة، تعاملت فرق مستشفى الاستقبال والطوارئ الجامعي مع عدد من الحالات المعقدة، من بينها استقبال مصابين بطلقات نارية، كان بينهم مصاب تعرض لإصابة خطيرة أدت إلى قطع بالشريان الفخذي ونزيف حاد.
الحالة استدعت تدخلًا عاجلًا من فريق جراحة الأوعية الدموية، بالتعاون مع التخدير والعناية المركزة والتمريض والإنعاش القلبي الرئوي.
وبعد التدخل الجراحي، نُقل المصاب إلى العناية المركزة ووضع على جهاز التنفس الصناعي، واستمرت متابعته حتى استقرار حالته.
ومثلت الواقعة نموذجًا لطبيعة العمل داخل مستشفى الطوارئ، حيث لا يكون النجاح مرتبطًا بفرد واحد، وإنما بقدرة تخصصات متعددة على العمل في وقت واحد ضمن منظومة متكاملة، تحت الإشراف الإداري لإدارة المستشفى برئاسة الدكتور طارق عبد المنعم.
تطوير الخدمات المساندة
ولا تكتمل منظومة الطوارئ بالكوادر الطبية وحدها، إذ تلعب الخدمات التشخيصية دورًا حاسمًا في تحديد سرعة اتخاذ القرار الطبي، خاصة في حالات الحوادث والنزيف والإصابات الداخلية.
وشهد مستشفى الاستقبال والطوارئ أعمالًا لتطوير وتجديد وحدة الأشعة ودعم قدراتها وتجهيزاتها لخدمة المرضى والمترددين.
وتكتسب الأشعة أهمية مضاعفة داخل الطوارئ، لأن دقائق انتظار التشخيص قد تكون مؤثرة في مسار الحالة، بينما يساعد الوصول السريع إلى نتائج دقيقة في تحديد التدخل المطلوب ونقل المريض إلى التخصص المناسب.
وبالتالي، فإن تطوير الأشعة والمعامل والعناية وغيرها من الخدمات لا يمثل ملفًا منفصلًا عن الطوارئ، وإنما جزءًا من سلسلة واحدة تبدأ لحظة وصول المريض.
التمريض.. شريك أساسي في غرفة الطوارئ
وفي منظومة تعتمد على العمل المتواصل، يمثل التمريض أحد الأعمدة الرئيسية داخل مستشفى الاستقبال والطوارئ.
وحرص عبد المنعم على إبراز دور الأطقم التمريضية وتقدير جهودها، وشارك في تكريم عدد من أعضاء هيئة التمريض بالمستشفى، في وقت تظهر فيه طبيعة الحالات الحرجة مدى ارتباط نجاح التدخل الطبي بالعمل الجماعي بين الأطباء والتمريض.
فالتمريض حاضر منذ اللحظات الأولى لاستقبال الحالة، ويستمر دوره خلال التدخل والعلاج ومتابعة العلامات الحيوية والعناية المركزة، ما يجعله جزءًا لا ينفصل عن منظومة إنقاذ المريض.
إدارة الطوارئ.. مسؤولية تتجاوز المكتب
إدارة مستشفى للاستقبال والطوارئ تختلف بطبيعتها عن الإدارة التقليدية، لأن الاختبار الحقيقي للمنظومة قد يأتي في أي لحظة.
حادث مروري يسفر عن عدة إصابات، أو وصول حالات حرجة في وقت متزامن، يمكن أن يرفع الضغط فجأة على الاستقبال والأشعة وغرف العمليات والعناية المركزة، وهنا تصبح الجاهزية المسبقة والتنسيق بين الأقسام عنصرين حاسمين.
ولهذا فإن مسؤولية مدير المستشفى تمتد إلى ضمان قدرة المنظومة على التحرك عند الحاجة، ومتابعة مستوى الخدمات، والتنسيق بين الفرق المختلفة، والتعامل مع الاحتياجات التي يفرضها التدفق المستمر للمرضى.
من علاج الحالة إلى إدارة منظومة كاملة
يمثل انتقال طارق عبد المنعم من التخدير والعناية المركزة إلى إدارة مستشفى الاستقبال والطوارئ تحولًا من التعامل المباشر مع الحالة الحرجة إلى إدارة البيئة التي يجب أن تكون جاهزة لإنقاذ عشرات الحالات.
فالطبيب مسؤول عن قراره الطبي تجاه مريضه، بينما يتحمل المدير مسؤولية أوسع تتعلق بقدرة المستشفى نفسه على توفير الأدوات والكوادر والتنسيق المطلوب حتى يتمكن الطبيب من اتخاذ هذا القرار وتنفيذه في الوقت المناسب.
وهنا تلتقي مراحل مسيرة عبد المنعم؛ خبرة طبية في الحالات الحرجة، وعمل أكاديمي وبحثي، ثم تجربة إدارية داخل المستشفيات الجامعية.
طارق عبد المنعم.. رحلة بدأت من اللحظة الحرجة
بين غرف العمليات ووحدات العناية وأبواب الاستقبال والطوارئ، تشكل المسار المهني للدكتور طارق عبد المنعم، قبل أن ينتقل من مسؤولية التعامل مع المريض إلى مسؤولية إدارة منظومة كاملة تتعامل يوميًا مع المرضى والمصابين.
مسيرة تجمع بين الطبيب والأكاديمي والباحث والمدير، لكنها تظل مرتبطة في جميع مراحلها بنقطة واحدة: التعامل مع الحالات التي يكون فيها الوقت عنصرًا حاسمًا.
واليوم، على رأس مستشفى الاستقبال والطوارئ الجامعي بجامعة المنيا، تتسع هذه المسؤولية؛ فبدلًا من أن يكون السؤال متعلقًا بحالة واحدة داخل غرفة العمليات، يصبح السؤال اليومي هو مدى استعداد مستشفى كامل لاستقبال الحالة التالية.
وفي الطوارئ، لا أحد يعرف متى ستصل تلك الحالة، أو مدى خطورتها، أو عدد التخصصات التي ستحتاج إليها؛ ولهذا تبقى الجاهزية وسرعة القرار والعمل الجماعي هي الاختبار الحقيقي لأي إدارة، في مكان قد تصنع فيه دقائق قليلة فارقًا كاملًا في حياة إنسان.