في الأماكن التي لا تحتمل الخطأ، يصبح القرار مسؤولية، وتتحول الدقيقة إلى فارق حقيقي بين الحياة والخطر.. هكذا تبدو الصورة داخل منظومة الطوارئ والرعاية الحرجة، حيث لا مجال للانتظار، ولا رفاهية تأجيل القرار، ولا فرصة لإعادة اللحظة التي مضت.
وفي قلب هذه المنظومة بمحافظة المنيا، تقف الدكتورة أمل فرج حنفي، مدير إدارة الطوارئ والرعاية الحرجة والعاجلة بمديرية الصحة، في موقع يحمل مسؤولية واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل القطاع الصحي؛ ملف يبدأ من استقبال الاستغاثة، ويمر بالبحث عن المكان الطبي المناسب، وينتهي بوصول المريض إلى الخدمة التي يحتاجها في الوقت المناسب.
تولت الدكتورة أمل فرج مسؤولية إدارة الطوارئ والرعاية الحرجة بالمديرية في مارس 2026، لتبدأ مرحلة جديدة في إدارة ملف لا يعرف التوقف، وتعمل مع فرق طبية وفنية على مدار الساعة من أجل التعامل مع الحالات الحرجة وربط المستشفيات وتنسيق الخدمات الطبية العاجلة.
«غرفة الطوارئ».. قلب المنظومة الذي لا ينام
قد تبدو غرفة الطوارئ من الخارج مجرد مكان لاستقبال الاتصالات والبلاغات، لكنها في الواقع تمثل غرفة قرار متكاملة، تتحرك داخلها المعلومات بسرعة موازية لخطورة الحالات.
فحين يصل بلاغ عن مريض يحتاج إلى رعاية مركزة أو حضانة أو تدخل طبي متخصص، تبدأ عملية البحث والتنسيق بين المستشفيات، وتحديد المكان القادر على استقبال الحالة، ثم متابعة عملية التحويل بما يضمن حصول المريض على الخدمة المطلوبة.
وخلال العام المالي من يوليو 2025 حتى يونيو 2026، نجحت منظومة الطوارئ والرعاية الحرجة بالمنيا في التنسيق وتحويل 11 ألفًا و678 حالة حرجة إلى المستشفيات والمراكز الطبية المختلفة، وهو رقم يعكس حجم العمل اليومي الذي يقع خلف أبواب غرفة الطوارئ.
وراء كل رقم من هذه الأرقام حالة إنسانية، وأسرة تنتظر، وطبيب يبحث عن سرير، وسيارة إسعاف تحتاج إلى وجهة، وقرار يجب أن يصدر في أسرع وقت.
أرقام تكشف حجم المسؤولية
لم تتوقف جهود منظومة الطوارئ عند تحويل الحالات، وإنما امتدت إلى توفير أماكن في تخصصات الرعاية الحرجة المختلفة.
فخلال الفترة نفسها، تم توفير أماكن لـ 864 حالة عناية صدر، و744 حالة عناية باطنة، و864 حالة عناية صدمات، و576 حالة عناية قلب، إلى جانب 580 حالة بعنايات الأطفال.
هذه الأرقام لا تعكس فقط عدد الحالات التي جرى التعامل معها، وإنما تكشف اتساع شبكة التنسيق التي تديرها غرفة الطوارئ، خاصة أن الحالات الحرجة لا تتشابه في احتياجاتها، فمريض القلب يحتاج إلى منظومة مختلفة عن مصاب الحوادث، وحالة الطفل تختلف عن حالة مريض الجهاز التنفسي.
وهنا تظهر أهمية الإدارة التي تقودها الدكتورة أمل فرج؛ إذ يصبح التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المكان المناسب، بالتخصص المناسب، وفي الوقت المناسب.
«137».. عندما تتحول التكنولوجيا إلى شريان حياة
من أبرز ملامح تطوير منظومة الطوارئ بالمنيا تشغيل غرفة خدمات الطوارئ وربطها بالخط الساخن 137، بما يعزز سرعة استقبال البلاغات والتنسيق بين المستشفيات لتوفير أماكن الرعاية الحرجة والحضانات والتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
هذه المنظومة تمنح غرفة الطوارئ قدرة أكبر على قراءة الخريطة الطبية داخل المحافظة، ومعرفة الأماكن المتاحة والتخصصات المطلوبة، والتنسيق مع الجهات المعنية بدلًا من ترك أسرة المرضى في رحلة بحث طويلة عن مكان للعلاج.
وبذلك تتحول غرفة الطوارئ من مجرد نقطة اتصال إلى مركز تنسيق يربط أطراف المنظومة الصحية ببعضها، ويجعل المعلومة الطبية عنصرًا أساسيًا في إنقاذ حياة المريض.
من الأرقام الكبيرة إلى الحالات الأصعب
ولا تقتصر مسؤولية إدارة الطوارئ والرعاية الحرجة على توفير الأسرة، وإنما تمتد إلى التنسيق للحالات التي تحتاج إلى تخصصات وإمكانات دقيقة.
وتضمنت منظومة العمل التنسيق لحالات تحتاج إلى قسطرة قلب عاجلة، وجراحات القلب والصدر والأوعية الدموية، إلى جانب توفير حضانات للأطفال، سواء للحالات التي تحتاج إلى أكسجين أو أجهزة تنفس صناعي.
كما شمل العمل التنسيق لإجراء الفحوصات والأشعة المتقدمة وتحويل الحالات التي تحتاج إلى خدمات تخصصية، بما في ذلك الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي ومراكز الأورام والكبد والسموم.
وهنا تظهر طبيعة المهمة الحقيقية التي تواجه الدكتورة أمل فرج؛ فمدير الطوارئ لا يدير غرفة واحدة فقط، وإنما يتعامل مع شبكة من المستشفيات والتخصصات والإمكانات، ويحتاج إلى اتخاذ القرار في وقت تكون فيه كل دقيقة ذات قيمة.
804 حالات في شهر واحد.. بداية تكشف حجم العمل
وقبل تولي الدكتورة أمل فرج مسؤولية الإدارة، كشفت بيانات غرفة الطوارئ خلال يناير 2026 عن التعامل مع 804 حالات حرجة، بما يعكس حجم الضغط اليومي الذي تعمل تحته منظومة الرعاية العاجلة في المحافظة.
وشملت حصيلة يناير كذلك توفير أماكن لـ 105 حالات عناية أطفال، و45 طفلًا احتاجوا إلى حضانات، سواء للتنفس الصناعي أو الأكسجين، إلى جانب تحويل 52 حالة لإجراء أشعة مقطعية للمخ والصدر، و13 حالة لأشعة تليفزيونية، و7 حالات للرنين المغناطيسي.
كما شهد الشهر تحويل 276 حالة من مستشفيات الأمانة، بالإضافة إلى استقبال وتحويل 35 حالة من المستشفيات الخاصة، بما ساعد على تخفيف الأعباء عن المرضى وذويهم.
إدارة لا تنتظر الأزمة.. بل تستعد لها
العمل في الطوارئ لا يعني فقط التعامل مع الأزمة بعد وقوعها، وإنما الاستعداد الدائم لاحتمالاتها.
ولهذا يرتبط دور إدارة الطوارئ بملفات أخرى داخل المنظومة الصحية، من بينها تطوير وحدات الجلطات والصدمات المخية، ودعم المستشفيات بالكوادر البشرية والتجهيزات، ورفع كفاءة الأطقم الطبية من خلال التدريب، بما يساعد على سرعة التعامل مع الحالات التي يكون فيها عامل الوقت حاسمًا.
وفي هذا السياق، تصبح غرفة الطوارئ حلقة الوصل بين مختلف هذه الملفات، لأنها الجهة التي تستقبل الاحتياج الطبي العاجل وتبحث عن الاستجابة المناسبة له.
أمل فرج.. مهمة عنوانها «الوقت»
قد لا يعرف المواطن اسم الشخص الذي يقف خلف عملية تنسيق الحالة التي وصلت إلى العناية المركزة، أو الشخص الذي بحث عن حضانة لطفل حديث الولادة، أو الذي نسق لنقل مريض إلى مستشفى يمتلك التخصص المطلوب.
لكن خلف هذه التفاصيل اليومية تقف منظومة كاملة من الأطباء والتمريض والفنيين والإداريين، وفي مقدمتها الإدارة المسؤولة عن الطوارئ والرعاية الحرجة.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة الدكتورة أمل فرج حنفي باعتبارها تجربة في إدارة الوقت قبل إدارة المكان؛ فالسرير مهم، والطبيب مهم، والتجهيزات مهمة، لكن قيمة كل ذلك تتضاعف عندما تصل الخدمة إلى المريض في اللحظة التي يحتاج إليها.
وبين 11 ألفًا و678 حالة حرجة جرى التنسيق لتحويلها خلال عام، و864 حالة عناية صدر، و744 عناية باطنة، و864 عناية صدمات، و576 عناية قلب، و580 حالة بعنايات الأطفال، تبدو الأرقام وحدها كافية لرسم حجم المسؤولية.
لكن خلف الأرقام قصص لا تظهر في التقارير؛ مريض عاد إلى أسرته، وطفل حصل على فرصة للعلاج، وأسرة وجدت مكانًا لحالة كانت تبحث عن سرير، وحالة حرجة وصلت إلى التخصص المناسب قبل أن يصبح الوقت عائقًا.
وهنا تكمن قيمة غرفة الطوارئ.. وهنا أيضًا تتحدد مهمة الدكتورة أمل فرج: أن تجعل الطريق بين الاستغاثة والعلاج أقصر ما يمكن، وأن تظل عقارب الساعة في صف المريض لا ضده.