لم تكن زيارة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، إلى معصرة «فيرجينيا» في محافظة مطروح مجرد جولة تفقدية داخل أحد المشروعات الإنتاجية، وإنما جاءت لتسلط الضوء على تجربة تجمع بين الاستثمار في الصناعة والتطوير الإداري، وتكشف جانبًا آخر من قصة نجاح المشروع يتعلق بإعادة الهيكلة وتطوير منظومة الإدارة والحوكمة.
وخلال زيارته للمعصرة، تفقد رئيس الوزراء مراحل الإنتاج واستمع إلى شرح حول طبيعة النشاط والطاقة الإنتاجية والمنتجات المختلفة، وكان في استقباله الدكتور عبدالله يادم، رئيس مجلس إدارة معصرة فيرجينيا، الذي استعرض مكونات المشروع وما يقدمه من منتجات مصرية.
وتصل الطاقة الإنتاجية لمعصرة فيرجينيا بمطروح إلى نحو 80 طنًا يوميًا، مع توفير قرابة 150 فرصة عمل، بينما تمتلك المجموعة معصرة أخرى في مدينة السادات بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 طن يوميًا، إلى جانب معصرة في سيوة بطاقة 60 طنًا يوميًا، بما يعكس اتساع النشاط وتحوله إلى منظومة إنتاجية متعددة المواقع.
لكن وراء هذا التوسع الإنتاجي، كانت هناك حاجة إلى تطوير موازٍ في الإدارة.

الإدارة.. الوجه الآخر للنجاح
مع نمو أي مؤسسة وزيادة حجم عملياتها وتعدد مواقعها ومنتجاتها، يصبح الاعتماد على الأساليب التقليدية في الإدارة غير كافٍ لمواكبة مرحلة التوسع.
وهنا يأتي دور إعادة الهيكلة والتطوير الإداري، وهي العملية التي تهدف إلى بناء مؤسسة أكثر قدرة على إدارة مواردها، وتحديد الاختصاصات والمسؤوليات، وتحسين آليات اتخاذ القرار، ورفع كفاءة العاملين، وربط الأداء بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
وفي حالة «فيرجينيا»، ارتبطت عملية التطوير الإنتاجي بمسار موازٍ لإعادة الهيكلة والتطوير الإداري، من خلال التعاون مع الغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية «EgyCham»، بقيادة الدكتور أحمد السيد، استشاري الموارد البشرية وهيكلة الشركات، بما يضع الإدارة في قلب عملية النمو وليس على هامشها.

EgyCham.. خبرة 16 عامًا في الهيكلة والحوكمة
منذ تأسيسها عام 2010، تعمل الغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية «EgyCham» في مجالات الاستشارات الإدارية وإعادة الهيكلة والحوكمة والتطوير الإداري، مستهدفة دعم المؤسسات في مصر والشرق الأوسط من خلال حلول متكاملة تتعامل مع احتياجات المؤسسات وتغيرات سوق العمل.
وتعتمد المؤسسة في برامجها وخدماتها على معايير مهنية دولية، من خلال اعتمادها من الجمعية الأمريكية لإدارة الموارد البشرية «SHRM»، ومؤسسة التطوير المهني المستمر بأمريكا «CPD»، إلى جانب حصولها على شهادة «ISO».
ولم تتوقف توسعات EgyCham عند السوق المصرية، إذ تمتلك ثلاثة فروع رئيسية في القاهرة، التي تضم مقرها الرئيسي، والرياض، ودبي، بما يمنحها قدرة أكبر على تقديم خدماتها للشركات والمؤسسات على المستوى الإقليمي.

من الموارد البشرية إلى إعادة بناء المؤسسات
لا تقتصر خدمات EgyCham على التدريب، وإنما تمتد إلى الاستشارات الإدارية وهيكلة إدارات الموارد البشرية وتطوير بيئات العمل، إلى جانب التوظيف التنفيذي واستقطاب الكفاءات.
كما تقدم المؤسسة مجموعة من الدبلومات والبرامج المهنية، من بينها دبلومة إدارة الموارد البشرية، وبرامج تدريب المدربين TOT، وبرامج تطوير الأعمال Business Development.
وتعكس هذه المنظومة رؤية تقوم على أن تطوير المؤسسة يبدأ من تطوير الإنسان والنظام الإداري في الوقت نفسه؛ فوجود معدات حديثة وخطوط إنتاج قوية لا يضمن وحده استدامة النجاح، ما لم يصاحبه هيكل إداري واضح ونظم عمل قابلة للقياس والتطوير.
500 شركة.. ومحفظة عملاء من كبار السوق
تمتلك EgyCham محفظة عملاء تضم أكثر من 500 شركة ومؤسسة، من بينها البنك الأهلي المصري، وبيبسيكو، وبنك الراجحي، ومركز التجارة العالمي، والنيل للتطوير العقاري، وفيرجينيا، وجهينة، وإعمار، وجولدن فيو، وYBA، وSilo Foods، وغيرها من المؤسسات.
وتعكس هذه القائمة تنوع القطاعات التي تعمل معها المؤسسة، بداية من القطاع المصرفي والصناعات الغذائية، مرورًا بالتطوير العقاري والاستثمار والخدمات، وهو ما يمنحها خبرة متراكمة في التعامل مع نماذج مختلفة من المؤسسات واحتياجاتها الإدارية.
وفي هذا السياق، يأتي مشروع «فيرجينيا» كأحد النماذج التي ترتبط فيها الاستشارات الإدارية بالتحول الفعلي داخل مؤسسة إنتاجية تشهد توسعًا في الطاقة والمنتجات ومواقع التشغيل.
د. أحمد السيد.. قيادة متخصصة في هيكلة الشركات
ويقود EgyCham الدكتور أحمد السيد، استشاري الموارد البشرية وهيكلة الشركات، الذي ترتبط رؤيته الإدارية بفكرة تطوير المؤسسات من الداخل، عبر إعادة تنظيم الهياكل، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتحسين نظم الإدارة والحوكمة.
وتزداد أهمية هذا الدور في الشركات التي تنتقل من مرحلة المشروع أو النشاط المحدود إلى مرحلة المؤسسة المتوسعة؛ لأن هذا الانتقال يفرض إعادة النظر في طريقة الإدارة، وتوزيع الصلاحيات، وآليات المتابعة والتقييم، بما يسمح للمؤسسة بالحفاظ على قدرتها على النمو دون أن تتحول زيادة الحجم إلى عبء إداري.
مؤتمرات.. أكاديمية.. وصناعة مستمرة للكوادر
لم تقتصر أنشطة EgyCham على الاستشارات والتدريب، وإنما امتدت إلى صناعة منصات مهنية تجمع المتخصصين وصناع القرار في مجال الموارد البشرية والإدارة.
وتنظم المؤسسة ثلاثة مؤتمرات سنوية، من بينها المؤتمر السنوي لمحترفي الموارد البشرية «Misr HRians Conference»، الذي وصل إلى 14 دورة، ومؤتمر رؤساء مجالس الإدارات والمديرين التنفيذيين «CEOs Conference»، الذي وصل إلى 10 دورات، إلى جانب مؤتمر حوكمة الشركات العائلية «Family Business Governance».
كما تنظم معرض «HR EXPO» السنوي، الذي يجمع مقدمي خدمات الموارد البشرية، وأطلقت «The Intern HR Academy» بهدف تأهيل الشباب عمليًا وربط المعرفة النظرية باحتياجات سوق العمل.
هذه المنظومة تعكس أن عمل EgyCham لا يتوقف عند حل مشكلة إدارية داخل شركة، وإنما يمتد إلى بناء مجتمع مهني وتطوير الكوادر التي تحتاج إليها المؤسسات في مراحل نموها المختلفة.

فيرجينيا.. عندما يلتقي التطوير الإداري بالتوسع الصناعي
القصة الأهم في تجربة فيرجينيا أن التطوير لم يكن منفصلًا عن الإنتاج.
فالمعصرة تعمل بطاقة إنتاجية كبيرة، وتقدم زيت الزيتون والزيوت الطبيعية إلى جانب مجموعة من المنتجات المرتبطة بالموارد المحلية، بينما يمثل تعدد مواقع الإنتاج في مطروح والسادات وسيوة تحديًا إداريًا يحتاج إلى نظم أكثر تطورًا وقدرة على التنسيق والمتابعة.
ومن هنا تصبح إعادة الهيكلة جزءًا من استراتيجية النمو؛ فكلما كبر حجم المؤسسة، أصبحت الحاجة أكبر إلى تحديد الأدوار، وتطوير الإدارات، ورفع كفاءة العاملين، ووضع نظم واضحة للأداء والحوكمة.
وهذه هي النقطة التي تجعل زيارة رئيس الوزراء ذات دلالة خاصة؛ فالمشروع الذي تفقده الدولة اليوم داخل مطروح ليس مجرد معصرة زيتون، وإنما نموذج لمشروع إنتاجي يسعى إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين الصناعة والإدارة والتوسع.

زيارة رئيس الوزراء.. شهادة على مسار كامل
زيارة الدكتور مصطفى مدبولي لمعصرة فيرجينيا وضعت المشروع تحت الضوء باعتباره أحد النماذج الإنتاجية في مطروح، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن أهمية الجانب الإداري في نجاح المشروعات الصناعية.
فوراء خطوط الإنتاج توجد إدارة، ووراء التوسع توجد هياكل تنظيمية، ووراء زيادة عدد العاملين توجد منظومة للموارد البشرية، ووراء الطموح للوصول إلى الأسواق الخارجية توجد حاجة إلى حوكمة وتخطيط واستراتيجية.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة «فيرجينيا» باعتبارها شراكة بين رأس مال يستثمر في الإنتاج، وإدارة تطور أدوات العمل، واستشارات تعيد بناء المؤسسة بما يتناسب مع مرحلة النمو.
وبينما تواصل «فيرجينيا» تطوير منتجاتها وتوسيع نشاطها، تبدو المعادلة واضحة: الوصول إلى العالمية لا يبدأ من المصنع وحده، وإنما يبدأ أيضًا من بناء مؤسسة قادرة على إدارة المصنع، وتطوير العاملين، وضبط العمليات، والحفاظ على الجودة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
من مطروح بدأت الحكاية.. لكن الطموح يتجاوز حدود المحافظة، ومعه تتحول إعادة الهيكلة من إجراء إداري إلى أداة لصناعة مؤسسة قادرة على النمو والمنافسة.