رئيس التحرير
محمود أبو السعود
رئيس التحرير التنفيذي
الرفاعي عيد

الصورة الكاملة

تحولات كبرى بالمنطقة: اتفاق استراتيجي مرتقب لإعادة رسم خارطة الأمن الإقليمي
تحولات كبرى بالمنطقة: اتفاق استراتيجي مرتقب لإعادة رسم خارطة الأمن الإقليمي

لم يعد خفياً على المتابع للشأن الدولي أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف تاريخي هو الأخط والأهم منذ عقود. فمنذ مطلع عام 2026، تتسارع وتيرة التحولات الكبرى من صراعات تقليدية محتدمة إلى دبلوماسية هادئة تقوم على المصالح المشتركة، وتغليب لغة الحوار الإقليمي المباشر. هذا التحول لم يعد مجرد رد فعل مؤقت على أزمات طارئة، بل أصبح استراتيجية ممنهجة تعتمدها عواصم القرار الكبرى في المنطقة للعبور نحو مستقبل أكثر استقراراً، بمعزل عن الهيمنة أو الإملاءات الخارجية.  التحولات الدبلوماسية وأمن الممرات المائية تتصدر أجندة الحراك الإقليمي الحالي قضايا حيوية تتعلق بأمن الممرات المائية وسلاسل الإمداد العالمية. فالموقع الجغرافي الفريد الذي تتمتع به المنطقة يجعلها شرياناً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه للتجارة الدولية والطاقة. تأمين حركة الملاحة: تركز المباحثات الجارية بين الدول الشاطئية على بناء منظومة دفاعية بحرية مشتركة تحمي الموانئ وطرق التجارة من أي توترات محتملة. إلغاء التفاهمات العابرة للبحار: يتزايد التوجه نحو الاعتماد على أطر تعاون إقليمية خالصة لإدارة الأزمات الأمنية، مما يقلل من كلفة التواجد العسكري الأجنبي ويمنح دول المنطقة سيادة كاملة على قراراتها الاستراتيجية. حل النزاعات البينية: تفعيل لجان المصالحة الاقتصادية والدبلوماسية لتسوية أي خلافات حدودية أو سياسية بطرق سلمية تضمن عدم عودة التوتر إلى المربع الأول. التكامل الاقتصادي كدرع واقٍ ضد الأزمات العالمية على الصعيد الاقتصادي، فرضت التغيرات العالمية المتلاحقة واقعاً جديداً يفرض على دول المنطقة التكاتف لتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية المتأثرة بالتضخم والركود. سلاسل الإمداد الإقليمية: التوجه نحو إنشاء أسواق تكاملية مشتركة في قطاعات الغذاء، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، لضمان الاكتفاء الذاتي النسبي. الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية: ضخ مليارات الدولارات في مشروعات النقل الذكي، والربط الكهربائي الإقليمي، ومشاريع التحول الرقمي والأمن السيبراني. تخفيف قيود التجارة: إزالة العوائق الجمركية البينية وتسهيل حركة انتقال رؤوس الأموال والخبرات البشرية بين الدول العربية والإقليمية الفاعلة.  الدور المتنامي للأمن السيبراني والتكنولوجيا المتقدمة لم يعد الأمن في مفهومه الحديث مقصوراً على الحدود البرية والبحرية فقط، بل امتد ليشمل الفضاء الرقمي والبنية التحتية للبيانات. وفي هذا السياق، تشهد الشراكات الحالية تركيزاً غير مسبوق على: تأمين شبكات الاتصالات الحساسة ضد الهجمات السيبرانية المنظمة. توطين صناعة البرمجيات والذكاء الاصطناعي للحد من التبعية التقنية للشركات الكبرى عابرة القارات. تبادل الخبرات الأمنية والاستخباراتیة لمكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود. الرؤية المستقبلية والتحديات الماثلة رغم الزخم الإيجابي والفرص الواعدة التي يحملها هذا التقارب، إلا أن هناك تحديات هيكلية لا بد من التعامل بحذر معها، أبرزها: التباين النسبي في الأولويات الاقتصادية بين بعض الدول. محاولات الأطراف الدولية المتضررة من هذا الاستقلال الإقليمي عرقلة مسار التهدئة عبر إثارة ملفات جانبية. الحاجة الملحة لترجمة الاتفاقات السياسية إلى مشروعات ملموسة يشعر المواطن العادي بعائدها الاقتصادي المباشر. خاتمة التقرير: إن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة دول المنطقة على تحويل هذه التفاهمات النظرية إلى واقع مؤسسي مستدام. المؤشرات الحالية تؤكد أن الإرادة السياسية متوافرة، وأن خيار "الاستقرار أولاً" أصبح هو البوصلة التي توجّه كافة التحركات الإقليمية نحو بناء مستقبل أكثر مناعة وازدهاراً.  

big admin أغسطس ٢٠, ٢٠٢٦ 0
حادث الدواويس يفتح الملف المسكوت عنه.. من يحمي عمال اليومية في طريق لقمة العيش؟

لم تبدأ مأساة الدواويس في اللحظة التي اصطدمت فيها سيارتا العمال على الطريق، ولم تكن الحكاية مجرد صوت فرامل أعقبه ارتطام ثم سيارات إسعاف هرعت إلى المكان، الحقيقة أن المأساة بدأت قبل ذلك بساعات، عندما استيقظ عمال في بيوت بسيطة، ارتدوا ملابس العمل، وودعوا أسرهم على وعد بالعودة في المساء، ثم خرجوا بحثًا عن «اليومية»، بعضهم ربما ترك طفلًا نائمًا، وآخر خرج قبل أن تستيقظ أمه، وثالث كان يحسب في رأسه ما سيشتريه بأجر يومه، لم يكن أحد منهم يعرف أن الطريق إلى لقمة العيش سيصبح بالنسبة لبعضهم آخر طريق. ثمانية عشر إنسانًا انتهت رحلتهم على طريق الدواويس، لكن اختزال القضية في رقم الضحايا وحده يظلمهم مرتين؛ مرة حين فقدوا حياتهم، ومرة عندما يتحول موتهم إلى خبر عابر ينتهي بانتهاء الجنازات، فالحادث يفتح بابًا أوسع بكثير من البحث عن السائق المخطئ، ويضع أمامنا عالمًا كاملًا من عمال اليومية الذين يتحركون كل صباح بين القرى والمزارع في ظروف لا يملكون غالبًا حق اختيارها. في هذا العالم لا توجد دائمًا حافلة مخصصة لنقل العامل، ولا مقعد يحمل اسمه، ولا جهة تسأله إن كانت الرحلة آمنة، هناك «مقاول أنفار» يعرف من يحتاج إلى العمال ويعرف أيضًا من يحتاج إلى العمل، يجمعهم في الصباح ويوجههم إلى المزارع، وتأتي السيارة، فيصعد إليها الجميع، العامل لا يسأل كثيرًا عن نوع المركبة أو عدد من سيجلسون إلى جواره، لأن السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إليه مختلف تمامًا: هل سيجد عملًا اليوم أم سيعود إلى بيته خالي اليدين؟ وهنا تكمن قسوة الحكاية، الفقر لا يجعل الإنسان أقل خوفًا على حياته، لكنه أحيانًا يجعله أقل قدرة على رفض الخطر، العامل الذي يعرف أن أبناءه ينتظرون أجر اليوم قد يرى سيارة مكتظة أمامه، لكنه يعرف أيضًا أن رفض الصعود يعني أن شخصًا آخر سيأخذ مكانه والعمل الذي كان ينتظره، وهكذا تتحول المخاطرة من اختيار إلى أمر واقع، ويتحول الطريق إلى جزء غير مكتوب من ثمن اليومية. حادث الدواويس يفرض لذلك سؤالًا لا يتعلق بالقيادة وحدها: من المسؤول عن العامل منذ خروجه من قريته حتى وصوله إلى المزرعة؟ هل تنتهي مسؤولية صاحب العمل عند حدود أرضه؟ وهل يكفي أن يطلب عشرات العمال ثم يترك طريقة وصولهم بالكامل لمقاول أو وسيط؟ وإذا كان المقاول هو من يجمعهم وينقلهم، فمن يراقب هذا النشاط؟ ومن يتأكد من صلاحية المركبة وعدد ركابها ومن أن البشر الذين بداخلها لا يعاملون باعتبارهم مجرد حمولة يجب إيصالها إلى الحقل؟ وتصبح الأسئلة أكثر إيلامًا عندما يكون بين العمال صغار السن، فالطفل الذي يستيقظ قبل الفجر ليتجه إلى الحقل لا يولد عاملًا، وإنما تقوده سلسلة من الظروف إلى ذلك المكان، ربما دفعه فقر أسرته، وربما خرج مع أشقائه، وربما أصبحت جنيهات قليلة يحصل عليها ضرورة داخل منزل لا يملك الكثير، لكن فهم الظروف لا يعني قبول النتيجة، وإذا كان المجتمع يملك قوانين لحماية الأطفال، فإن الاختبار الحقيقي لهذه القوانين ليس وجودها على الورق، بل قدرتها على الوصول إلى الطفل قبل أن يصل إلى سيارة العمال. وهنا تبدأ مسؤولية الدولة، ليس باعتبارها متهمًا في حادث لم تنته تحقيقاته، وإنما باعتبارها صاحبة المسؤولية الأكبر عن الوقاية والرقابة، فوظيفة الدولة لا تبدأ عندما تصل سيارة الإسعاف، ولا عندما تُصرف التعويضات، ولا عندما يقف مسؤول أمام أسرة منكوبة ليقدم واجب العزاء، هذه كلها واجبات مهمة، لكن المسؤولية الأصعب تبدأ قبل سقوط الضحايا؛ عندما تكون السيارة ما زالت على الطريق والعامل ما زال حيًا والطفل لم يصل بعد إلى الحقل. الدولة تملك أجهزة للمرور، وأجهزة للتفتيش على العمل، ومحافظات ووحدات محلية ومنظومة للحماية الاجتماعية، والسؤال ليس لماذا لم تمنع جهة حكومية حادثًا في لحظته، فهذا تصور غير واقعي، وإنما لماذا تستمر بعض صور نقل العمال بصورة تجعل الخطر مألوفًا؟ هل نحتاج إلى رقابة أكثر تخصصًا على سيارات العمال؟ وهل يجب تنظيم عمل مقاولي الأنفار بصورة أوضح؟ وهل يجب إلزام أصحاب المزارع الكبرى بمعرفة كيف يصل العمال الذين يعملون لديهم؟ ومن يتابع القرى والمناطق التي تنتشر فيها العمالة الموسمية؟ المفارقة أن رحلة المحصول نفسها قد تحظى أحيانًا بحسابات أكثر دقة من رحلة العامل، صاحب العمل يهتم بكيفية نقل إنتاجه، ونوع السيارة، وطريقة التخزين، والوقت الذي سيصل فيه إلى السوق، لأن تلف جزء من المحصول يعني خسارة مالية، لكن الإنسان الذي زرع وجمع وحمل هذا المحصول يجب أن يحظى على الأقل بالاهتمام نفسه، لا يمكن أن تكون سلامة الثمرة أهم من سلامة اليد التي قطفتها. والمسؤولية هنا لا تقع على الدولة وحدها. صاحب العمل جزء من الصورة، ومقاول العمال جزء منها، والسائق جزء منها، والأسرة والمجتمع كذلك، لكن الفارق أن العامل يظل الحلقة الأضعف بين الجميع، هو الطرف الذي يمتلك أقل قدر من القرار ويتحمل أكبر قدر من الخطر. ولهذا لا يصح أن تكون أول مواجهة للمشكلة هي سؤال العامل: لماذا ركبت؟ بل يجب أن يكون السؤال: لماذا لم نوفر لك خيارًا أكثر أمانًا؟ بعد الحادث تحضر سيارات الإسعاف، وتتحرك المستشفيات، وتبدأ التحقيقات، وتُصرف المساعدات، ثم تأتي الجنازات، وبعد أيام يهدأ كل شيء. هذه الدورة هي ما يجب أن تكسره الدواويس، التعويض يستطيع مساعدة أسرة فقدت مصدر دخلها، لكنه لا يعيد إنسانًا إلى بيته، والمحاسبة تستطيع تحقيق العدالة، لكنها وحدها لن تمنع حادثًا جديدًا إذا بقيت الظروف التي صنعت الخطر كما هي. الاختبار الحقيقي سيبدأ في صباح آخر، في قرية أخرى، عندما يستيقظ عمال جدد ويقفون في المكان المعتاد منتظرين سيارة تأخذهم إلى الحقل، ستأتي المركبة، وسيصعد إليها من يحتاج إلى اليومية، وستتحرك على الطريق، في تلك اللحظة تحديدًا سنعرف إن كانت الدواويس قد غيرت شيئًا، أم أن المأساة أصبحت مجرد رقم جديد في أرشيف الحوادث. ثمانية عشر إنسانًا خرجوا بحثًا عن رزقهم ولم يعودوا. حقهم لا يتوقف عند معرفة من تسبب في التصادم، بل يمتد إلى معرفة من كان مسؤولًا عن حمايتهم قبل وقوعه، وكيف يمكن حماية آلاف غيرهم ممن يخرجون كل صباح بالطريقة نفسها. لقد خرجوا ليجمعوا المحصول ويعودوا بما يسد احتياجات بيوتهم، لكن الطريق كان أسرع من أحلامهم، وبين بيوت انتظرت عودتهم وسيارات أعادت بعضهم جثامين، بقي سؤال الدواويس مفتوحًا أمام الجميع: من يحمي الفقير وهو في طريقه إلى لقمة العيش، حتى لا يصبح ثمن اليومية القادمة حياة إنسان آخر؟

محمود أبو السعود أغسطس ١٢, ٢٠٢٦ 0
«حزمة تحركات اقتصادية وتنموية».. لجان لمراجعة الشواطئ والعقارات وخفض الدين ودعم الطاقة والاستثمار

وجّه الرئيس خلال اجتماع لمتابعة عدد من الملفات الاقتصادية والتنموية، بتشكيل لجان من أجهزة الدولة المعنية للنزول إلى أرض الواقع ومراجعة عدد من الملفات، في مقدمتها الالتزام بالقوانين المنظمة لاستغلال الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية المطلة على الشواطئ المصرية، إلى جانب متابعة المشروعات العقارية الجارية بمختلف المحافظات. وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيس شدد على ضرورة التطبيق الحازم للقوانين والتشريعات والقرارات الجمهورية المرتبطة باستغلال الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية المطلة على الشواطئ، مع التأكيد على الحفاظ على حق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ وفقًا للقواعد والضوابط المنظمة.   لجنة لمراجعة الشواطئ ووجّه الرئيس بالتشكيل الفوري للجنة تضم أجهزة الدولة المعنية، على أن تتولى النزول إلى مواقع المشروعات وتفقد الأوضاع على الأرض، للتأكد من الالتزام بالقواعد المنظمة لاستغلال الشواطئ. وتشمل التوجيهات حظر إقامة أي منشآت أو أعمال على مسافة 200 متر من خط الشاطئ دون الحصول مسبقًا على الموافقات اللازمة من الجهات الحكومية المختصة. وتستهدف هذه الإجراءات التأكد من عدم وجود مخالفات أو تجاوزات في المناطق الساحلية، وضمان الالتزام الكامل بالقوانين المنظمة، مع الحفاظ على حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ في إطار الضوابط المعمول بها.   متابعة المشروعات العقارية وفي ملف آخر، وجّه الرئيس بتشكيل لجنة لمتابعة المشروعات العقارية المختلفة الجاري تنفيذها في محافظات الجمهورية، بهدف التأكد من التزام الشركات والمطورين بالمواعيد المحددة لتسليم الوحدات للمشترين. وتتولى اللجنة مراجعة مدى احترام العقود المبرمة مع المواطنين، والتأكد من استكمال أعمال البنية الأساسية داخل المشروعات، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه المخالفين. كما وجّه الرئيس بضرورة عرض نتائج أعمال المتابعة والإجراءات التي يتم اتخاذها بصورة دورية، بما يضمن التعامل السريع مع أي مخالفات أو تأخيرات قد تؤثر على حقوق المواطنين.   تحوط ضد تقلبات أسعار النفط وشهد الاجتماع استعراض آخر مستجدات إجراءات التحوط التي تتخذها الدولة لمواجهة مخاطر التقلبات في أسعار النفط العالمية، وذلك بالنسبة للعام المالي 2025/2026 والعام المالي 2026/2027. ويأتي هذا الملف في ظل أهمية إدارة المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة العالمية، بما يساعد على دعم الاستقرار المالي للموازنة العامة وتقليل تأثير التغيرات المفاجئة في أسعار النفط على مؤشرات المالية العامة.   تطبيقات جديدة للضرائب العقارية كما استعرض وزير المالية تطورات تنفيذ حزمة التسهيلات الخاصة بالضريبة العقارية، والتي تتضمن للمرة الأولى تطبيقًا عبر الهاتف المحمول، إلى جانب الإجراءات التي جرى اتخاذها لتبسيط استخدام التطبيق وتسهيل تعامل المواطنين مع المنظومة الجديدة. وكشف الوزير عن قرب إطلاق تطبيق ومنظومة مماثلة خاصة بضريبة التصرفات العقارية، في إطار توجه الدولة نحو التوسع في الرقمنة وتبسيط الإجراءات الضريبية وتقليل الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز الخدمات.   خفض مديونية أجهزة الموازنة وتطرق الاجتماع إلى تطورات مؤشرات دين أجهزة الموازنة، حيث أكد وزير المالية نجاح الحكومة في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 13.2% خلال العامين الماضيين. وتستهدف الحكومة مواصلة تحسين مؤشرات المديونية بصورة مؤثرة وقوية، بما يتيح خلق حيز مالي أكبر يمكن توجيهه لمساندة المواطنين ودعم المستثمرين وتمويل الأولويات الاقتصادية والتنموية.   الطاقة الشمسية وتدوير المخلفات واستعرض وزير المالية عددًا من المبادرات الجديدة التي تستهدف دعم وتحفيز القطاع الصناعي على التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية. كما تناول الاجتماع آليات تمويل مشروعات إعادة تدوير المخلفات الصلبة وتحويلها إلى وقود بديل، بما يسهم في خفض تكلفة تنفيذ هذه المبادرات وتحقيق عوائد اقتصادية وبيئية للجهات المستفيدة.   وتأتي هذه التحركات في إطار تشجيع الاستثمارات المرتبطة بالطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري، ودعم توجهات الدولة نحو تقليل تكلفة الطاقة والاستفادة الاقتصادية من المخلفات.   الاقتصاد يسجل نموًا 5.2% وفي استعراض الأداء الاقتصادي، أعلن وزير المالية أن معدل النمو الحقيقي للاقتصاد المصري سجل 5.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026. وأشار إلى تحسن معظم مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي خلال العام الماضي، ومن بينها انخفاض قيمة المديونية الخارجية لأجهزة الموازنة، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية من خلال تبسيط الإجراءات وميكنتها، والعمل على زيادة وتنشيط الإيرادات غير الضريبية. كما شهد أداء أسواق المال والبورصة المصرية تحسنًا ملحوظًا، بالتزامن مع انخفاض تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد وتحسن العائد على سندات الدولة المصرية.   التسهيلات الضريبية تدخل مرحلة جديدة كما استعرض وزير المالية الحزم الجديدة للتسهيلات الضريبية، معلنًا دخول قوانين الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية حيز التنفيذ بعد تصديق الرئيس عليها.   وتعكس هذه الإجراءات توجه الدولة نحو تبسيط المنظومة الضريبية وتقليل الأعباء على مجتمع الأعمال، بما يدعم النمو الاقتصادي ويرفع تنافسية الاقتصاد المصري ويعزز جاذبية بيئة الاستثمار.   وأشار الوزير إلى أن مجتمع الأعمال أبدى استجابة قوية لمبادرة التسهيلات الضريبية، وهو ما انعكس، وفقًا لما تم عرضه خلال الاجتماع، على ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسب مرتفعة خلال العام المالي الماضي.   الدولة تراهن على مساحة أكبر للاستثمار وتكشف الملفات التي جرى استعراضها خلال الاجتماع عن مسار متكامل يجمع بين ضبط استخدام الأراضي الساحلية، وحماية حقوق المشترين في المشروعات العقارية، وإدارة مخاطر أسعار الطاقة، وخفض مستويات الدين، وتوسيع التحول الرقمي في الخدمات الضريبية، إلى جانب دعم الطاقة الشمسية وإعادة تدوير المخلفات.   وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة العمل على تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي وخلق مساحة مالية أكبر، بما يسمح بتوجيه موارد إضافية نحو دعم المواطنين وتحفيز الاستثمار، بالتوازي مع إجراءات تستهدف بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية وجذبًا لرؤوس الأموال.

محمود أبو السعود أغسطس ١٠, ٢٠٢٦ 0
«خط باسمه.. ومؤبد في انتظاره».. عمرو عمارة ضحية شريحة هاتف أشعلت أخطر قضية «تارجت»

في تطور جديد بقضية الطالب عمرو عمارة، صدقت الجهات المختصة على الحكم الصادر بالسجن المؤبد بحقه في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التارجت»، وذلك وفقًا لما أكدته شقيقته. وقالت شقيقة عمرو عمارة، عبر منشور لها على فيسبوك، إن الأسرة أُبلغت بالتصديق على الحكم الصادر بحق شقيقها، مشيرة إلى أن القضية تعود إلى العثور على شريحة هاتف قالت الأسرة إنها كانت سببًا في اتهامه بالقضية. وهكذا تعود قضية عمرو عمارة إلى الواجهة من جديد، ليس فقط باعتبارها قضية جنائية انتهت بحكم بالسجن المؤبد، وإنما باعتبارها واحدة من أبرز الوقائع التي أعادت طرح السؤال عن خطورة تسجيل شرائح المحمول بأسماء أشخاص ثم انتقالها إلى آخرين، وما يمكن أن يترتب على ذلك عندما يستخدم الخط في واقعة جنائية. القصة بدأت في عام 2024، عندما كان عمرو عمارة، الطالب بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة الزقازيق، يعيش حياته بصورة طبيعية، قبل أن يدخل في دائرة لم يكن يتخيل أنها ستقوده في النهاية إلى حكم بالسجن المؤبد. وبحسب رواية عمرو وأسرته، كان له صديق يدعى إبراهيم عبد البديع شعلان، وأخبره أن شقيقته تعمل موظفة مبيعات في فرع لإحدى شركات الاتصالات بمركز أبو كبير، وأنها تحتاج إلى استخراج خط هاتف للمساعدة في تحقيق مستهدف المبيعات «التارجت» المطلوب منها في العمل. الرواية التي قدمتها الأسرة تقول إن عمرو وافق على استخراج الخط على سبيل المساعدة، ولم يكن يعلم، بحسب تأكيداته، أن الشريحة التي سُجلت ببياناته ستصبح في وقت لاحق جزءًا من ملف قضية جنائية. وبحسب ما نقلته شقيقة عمرو، فإن الصديق أخبره بأن شقيقته استنفدت الحد الأقصى المسموح به للخطوط المسجلة بأسماء أفراد الأسرة، ولذلك طلب منه تسجيل خط باسمه لمساعدتها في تحقيق مستهدفات العمل. ووفق رواية الأسرة، لم يتسلم عمرو الخط للاستخدام الشخصي، وإنما تركه بعد إجراءات التسجيل. مر الوقت، بينما ظل عمرو يمارس حياته بصورة طبيعية، يذهب إلى الجامعة ويعيش وسط أسرته دون أن يعلم، وفق روايته، أن اسمه أصبح مرتبطًا بقضية جنائية. وبحسب شقيقته ياسمين، لم تعرف الأسرة شيئًا عن القضية إلا في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، عندما حضر محضران قضائيان إلى منزل الأسرة في مركز أبو كبير وسألا عن عمرو، قبل أن تبدأ الأسرة في البحث وراء سبب هذا السؤال المفاجئ. الصدمة، وفق رواية الأسرة، كانت اكتشاف صدور حكم غيابي بالسجن المؤبد بحق عمرو في قضية جنايات بالسويس، مرتبطة باتهامات تتعلق بتهريب مواد مخدرة. وتقول الأسرة إن عمرو لم يكن هاربًا، وكان مستمرًا في دراسته وحياته اليومية، ولم يكن يعلم بوجود القضية أو الحكم الصادر بحقه. هنا بدأت الأسرة في تفكيك تفاصيل القضية ومحاولة معرفة كيف وصل اسم طالب جامعي لم يتجاوز العشرين عامًا إلى ملف جنائي بهذه الخطورة. وبحسب ما روته الأسرة والدفاع، ظهر خط الهاتف المسجل باسم عمرو في القضية، وربطته التحقيقات بأشخاص متهمين في واقعة تتعلق بمواد مخدرة. وتقول رواية عمرو إن الخط الذي سجل باسمه لم يكن في حيازته ولم يستخدمه في النشاط محل الاتهام، وإن ما حدث بدأ من واقعة تسجيل الشريحة لصالح شخص آخر. لكن القضية لم تتوقف عند الحكم الغيابي. بعد علمه بالحكم، سلم عمرو نفسه للجهات المختصة، وفق ما أعلنته أسرته ودفاعه، بهدف إعادة إجراءات محاكمته وإتاحة الفرصة أمامه لعرض دفاعه أمام المحكمة. وبالفعل، انعقدت جلسة المحاكمة في حضور عمرو، إلا أن المحكمة أصدرت حكمها بالسجن المؤبد، وهو ما شكل صدمة جديدة للأسرة التي كانت تعقد آمالًا على انتهاء القضية بالبراءة. وأكدت شقيقته أن الأسرة كانت تنتظر الحكم بالبراءة، بينما رأت أن أوراق القضية، من وجهة نظرها، لا تثبت صلة مباشرة لشقيقها بالواقعة. ومنذ ظهور القضية إلى الرأي العام، تحولت شريحة الهاتف إلى محور القصة كلها. فالدفاع يؤكد أن موكله لم يكن طرفًا في الجريمة، وأن بداية دخوله إلى القضية كانت من خلال خط هاتف مسجل باسمه. كما أعلن المحامي كمال شعيب أن هيئة الدفاع تقدمت بـ17 شكوى وبلاغًا وتظلمًا أمام جهات مختلفة، بينها شكاوى مرتبطة بموظفة في شركة اتصالات وأشخاص آخرين، إضافة إلى شكوى ضد شركة الاتصالات المعنية للمطالبة بفتح تحقيق في ملابسات الواقعة. الدفاع لم يتوقف عند ذلك، إذ أعلن أيضًا التقدم بعدد من التظلمات والالتماسات بشأن الحكم، مؤكدًا استمرار اتخاذ الإجراءات القانونية التي يتيحها القانون للطعن عليه. لكن التطور الأخير الذي أعلنت عنه شقيقة عمرو يضع القضية أمام منعطف جديد، بعدما قالت إن الأسرة أُبلغت بالتصديق على الحكم الصادر بالسجن المؤبد. وبذلك، تنتقل القضية من مرحلة الحكم الصادر إلى مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للأسرة، التي تتمسك بروايتها بأن نجلها دخل القضية بسبب شريحة هاتف سجلت باسمه، بينما تؤكد الإجراءات القضائية التي انتهت بالحكم مسؤولية عمرو وفق ما انتهت إليه المحكمة. وهنا يجب التوقف أمام نقطة جوهرية: القول إن الشريحة كانت مسجلة باسم شخص لا يعني وحده أن هذا الشخص هو المستخدم الفعلي لها وقت ارتكاب أي جريمة، كما أن إثبات العكس يحتاج إلى أدلة وتحريات وفحوص فنية وتقدير قضائي. وهذه النقطة تحديدًا هي التي أصبحت محورًا في قضية عمرو، بحسب ما يطرحه الدفاع والأسرة. القضية فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا على أزمة أكبر بكثير من حالة عمرو عمارة وحده: أزمة الخطوط التي يمكن أن تكون مسجلة باسم شخص بينما تكون في حيازة شخص آخر. فالخط في الوقت الحالي لم يعد مجرد وسيلة لإجراء مكالمة هاتفية. رقم المحمول أصبح مرتبطًا بخدمات مالية وتطبيقات إلكترونية وحسابات ومنصات متعددة، ولذلك فإن استخدام شريحة مسجلة باسم شخص آخر يمكن أن يخلق آثارًا قانونية وأمنية بالغة الخطورة. ومن هنا جاءت حالة الجدل الواسعة التي صاحبت قضية عمرو، خصوصًا بعدما بدأت الأسئلة تتكرر بين المواطنين: ماذا لو كان هناك خط مسجل باسمي ولا أستخدمه؟ ماذا لو حصل شخص آخر على الشريحة؟ ماذا لو استخدمها في جريمة؟ وكيف يمكنني أن أثبت أنني لم أكن المستخدم الفعلي؟ هذه الأسئلة لم تعد افتراضية بالنسبة لأسرة عمرو عمارة. فبحسب رواية الأسرة، بدأت الحكاية بطلب بسيط ومجاملة لصديق، ثم تحولت بعد فترة إلى حكم غيابي بالسجن المؤبد، ثم إلى تسليم للنفس وإعادة إجراءات ومحاكمة حضورية، وصولًا إلى صدور الحكم، والآن إعلان الأسرة التصديق عليه. القصة التي بدأت بشريحة هاتف كشفت في المقابل ثمنًا قد يدفعه المواطن عندما يتعامل مع بياناته الشخصية باستهانة، أو عندما يوافق على استخراج خط باسمه لصالح شخص آخر، حتى لو كان بدافع المساعدة وحسن النية. وفي الجانب الآخر، تطرح الواقعة أسئلة لا تقل أهمية حول آليات بيع وتسجيل خطوط المحمول، ومدى قدرة منظومة الاتصالات على التأكد من أن صاحب البيانات هو المستخدم الحقيقي، وما إذا كانت هناك إجراءات كافية تمنع تداول الخطوط بين الأشخاص بعد تسجيلها. قضية عمرو عمارة أصبحت بذلك أكبر من مجرد ملف طالب يواجه حكمًا بالسجن المؤبد؛ إنها اختبار حقيقي لفكرة المسؤولية عن شريحة المحمول، وللحد الفاصل بين «مالك الخط في السجلات» و«المستخدم الفعلي» في الواقع. ومهما كانت نتيجة الإجراءات القانونية المقبلة، فقد تركت القضية سؤالًا ثقيلًا أمام الجميع: إذا كان خط هاتف يمكن أن يبدأ كمجاملة بسيطة وينتهي بحكم بالسجن المؤبد، فمن المسؤول عن حماية المواطن من شريحة تحمل اسمه بينما لا تكون في يده؟ هذه هي القضية التي أعاد عمرو عمارة فتحها أمام الرأي العام، وهي قضية لا تتعلق بشاب واحد فقط، وإنما بآلاف المواطنين الذين قد لا يعرفون أصلًا عدد الشرائح المسجلة بأسمائهم، ولا من يستخدمها، ولا ما الذي يمكن أن يحدث إذا خرج أحدها من نطاق السيطرة.

محمود أبو السعود أغسطس ٨, ٢٠٢٦ 0
«منعته درجاته.. وأنقذته فلوس أهله».. رحلة طالب من 90% إلى كلية طب بالخارج

في مصر، قد ينتهي حلم طالب في أن يصبح طبيبًا بسبب رقم واحد في شهادة الثانوية العامة، سنوات طويلة من الدراسة والمذاكرة والضغط النفسي تنتهي بمجموع قد لا يسمح له بالوصول إلى كلية الطب، حتى إذا كان هذا المجموع يتجاوز 90%، بينما يستطيع طالب آخر، إذا كانت أسرته تمتلك القدرة المالية، أن يبحث عن فرصة مختلفة خارج الحدود، ويدرس الطب في جامعة أجنبية مقابل مصروفات وتكاليف سفر وإقامة قد تصل إلى أرقام كبيرة. المفارقة هنا لا تعني أن كل من يدرس الطب في الخارج «اشترى الشهادة»، ولا أن الطالب الذي يسافر للدراسة أقل كفاءة من الطالب الذي درس داخل مصر، لكنها تفتح سؤالًا أكثر حساسية حول عدالة الفرص التعليمية لماذا يمكن لطالب لم يصل إلى مجموع الطب في مصر أن يجد طريقًا آخر إلى دراسة التخصص نفسه بمجرد أن تسمح إمكانات أسرته المالية بذلك؟ وهل أصبح المال قادرًا على توسيع فرص الطالب في الوقت الذي يغلق فيه المجموع أبوابًا أمام طالب آخر؟ القبول بكليات الطب في مصر يرتبط بمنافسة شديدة على المقاعد، ولذلك يصبح مجموع الثانوية العامة هو البوابة الأساسية التي تحدد من يستطيع الدخول إلى هذا المسار ومن يضطر إلى اختيار تخصص آخر، وقد يحصل الطالب على 90% أو أكثر، وهو مجموع مرتفع في حد ذاته، لكنه لا يكون كافيًا للالتحاق بالطب إذا تجاوز الحد الأدنى للقبول مجموعه، وفي هذه اللحظة يبدأ البحث عن البدائل. البعض يتجه إلى الجامعات الخاصة أو الأهلية وفق القواعد المقررة، والبعض الآخر ينظر إلى الخارج باعتباره فرصة ثانية، وهنا تبدأ قصة مختلفة؛ فالطالب الذي لم يستطع تحقيق المجموع المطلوب داخل مصر يستطيع أن يبحث عن جامعة أجنبية تتيح له دراسة الطب، إذا استوفى شروط القبول المطلوبة واستطاعت أسرته تحمل تكاليف الدراسة والإقامة والمعيشة. وهنا يصبح المال عاملًا مؤثرًا في تحديد مساحة الاختيار، وليس بالضرورة بديلًا عن القدرة العلمية، فالطالب الذي يملك القدرة المالية يستطيع أن يضيف إلى خياراته دولًا وجامعات وبرامج تعليمية مختلفة، بينما الطالب الذي لا تسمح ظروف أسرته بذلك يظل أمام عدد أقل من الخيارات. تكلفة دراسة الطب بالخارج ليست بسيطة، فهي لا تتوقف عند المصروفات الدراسية، وإنما تشمل رسوم الجامعة، والسكن، والمعيشة، والتأمين، والتنقل، وتذاكر السفر، والكتب والمستلزمات، وقد تمتد الدراسة لسنوات طويلة، ما يجعل القرار استثمارًا ماليًا كبيرًا تتحمله الأسرة. ومن هنا تظهر المفارقة الاجتماعية طالب قد يحقق مجموعًا مرتفعًا لكنه لا يستطيع دخول كلية الطب في مصر، بينما طالب آخر قد يكون مجموعه أقل ولكنه يمتلك القدرة المالية التي تمكنه من السفر والدراسة في الخارج ولا يعني ذلك بالضرورة أن الطالب الثاني غير مؤهل أو أن الأول كان سيصبح طبيبًا أفضل، وإنما يكشف عن أن القدرة الاقتصادية يمكن أن تمنح بعض الطلاب فرصة إضافية للوصول إلى التخصص الذي يريدونه. لكن في المقابل، يجب الحذر من فكرة أن «الطب في الخارج» طريق واحد أو أن كل الجامعات الأجنبية متساوية في المستوى، هذه واحدة من أهم النقاط التي يجب أن تعرفها الأسر قبل اتخاذ قرار السفر. الجامعات الأجنبية تختلف في المناهج والإمكانات والمستشفيات الجامعية ومستوى أعضاء هيئة التدريس ونظام التدريب السريري والاعتماد الأكاديمي، وهناك جامعات تمتلك تاريخًا علميًا قويًا وبرامج طبية متقدمة ومستشفيات تعليمية ذات مستوى مرتفع، بينما توجد جامعات أخرى قد تكون إمكاناتها أقل. لذلك لا يمكن أن تكون المقارنة الصحيحة بين «الطب في مصر» و«الطب في الخارج» بصورة عامة، لأن داخل كل دولة مستويات مختلفة من الجامعات والبرامج، المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين جامعة وأخرى، وبين برنامج طبي وآخر، وبين مستوى التدريب الذي يحصل عليه الطالب في كل مؤسسة تعليمية. وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية هل جودة التعليم الطبي واحدة؟ الإجابة ببساطة لا يمكن افتراض أنها واحدة لمجرد أن الشهادة تحمل اسم «بكالوريوس طب»، جودة التعليم الطبي تعتمد على المناهج، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، والإمكانات الطبية، ونظام التقييم، والمستشفيات التي يتدرب فيها الطلاب، وعدد ساعات التدريب العملي، وحجم الاحتكاك بالمرضى، والإشراف الطبي الذي يحصل عليه الطالب. الطب تحديدًا ليس تخصصًا يمكن اكتساب مهاراته من الكتب والمحاضرات وحدها، الطبيب يحتاج إلى تدريب سريري حقيقي، ومشاهدة الحالات، والتعامل مع المرضى، وفهم التشخيص، والتدرب على التعامل مع الحالات الطارئة، والعمل داخل المستشفيات تحت إشراف متخصصين. ولهذا فإن الأسرة التي تبحث عن كلية طب في الخارج لا يجب أن يكون سؤالها الأول «كم المصروفات؟»، وإنما يجب أن يكون السؤال: «أين سيتدرب ابني؟». هل لدى الجامعة مستشفى جامعي حقيقي؟ هل التدريب السريري جزء أساسي من الدراسة؟ كم عدد الحالات التي يتعامل معها الطالب؟ هل هناك إشراف طبي حقيقي؟ هل يحصل الطالب على تدريب عملي منتظم أم يكتفي بجانب نظري كبير؟ هذه الأسئلة قد تكون أهم من شكل مبنى الجامعة أو قيمة المصروفات الدراسية. وفي الوقت نفسه، فإن الحصول على شهادة طب من الخارج لا يعني تلقائيًا أن صاحبها يستطيع ممارسة المهنة في مصر دون إجراءات هناك قواعد تتعلق بالاعتراف بالجامعة ومعادلة المؤهل العلمي، وتختلف الإجراءات بحسب الجامعة والدولة والبرنامج والمؤهل. وهنا يجب أن تنتبه الأسر جيدًا إلى الفرق بين «جامعة موجودة في الخارج» و«جامعة معترف بها ويمكن معادلة مؤهلها وفق القواعد المصرية» فاختيار الجامعة بناءً على إعلان تجاري أو كلام مكتب للدراسة بالخارج قد يعرض الطالب لمشكلة بعد سنوات، عندما يعود بشهادة ويكتشف أن الإجراءات المطلوبة لممارسة المهنة أكثر تعقيدًا مما كان يتصور. المشكلة أن الخطأ في هذا الملف لا يظهر سريعًا الطالب قد يقضي خمس أو ست سنوات أو أكثر في الدراسة، وتنفق الأسرة مبالغ كبيرة، ثم تبدأ المشكلة عند التخرج إذا لم يكن المسار الدراسي مستوفيًا للضوابط المطلوبة. وهنا تظهر أهمية معرفة قواعد المجلس الأعلى للجامعات والجهات المختصة قبل السفر، والتأكد من الجامعة والبرنامج ونظام الدراسة والتدريب، بدلًا من التعامل مع الأمر باعتباره مجرد رحلة تعليمية تنتهي بمجرد الحصول على الشهادة. لكن القضية الأوسع من الاعتراف والمعادلة هي قضية العدالة التعليمية نفسها. هل من الطبيعي أن يحصل طالب على أكثر من 90% ولا يستطيع الوصول إلى كلية الطب داخل مصر، بينما يستطيع طالب آخر بمجموع أقل أن يسلك طريقًا مختلفًا بسبب قدرة أسرته على تحمل تكلفة الدراسة في الخارج؟ هذا السؤال لا يحمل اتهامًا للطالب الذي يسافر، ولا يعني أن كل من يدرس الطب في الخارج غير كفء، بالعكس، هناك طلاب مصريون يدرسون في جامعات قوية خارج البلاد ويجتهدون ويحصلون على تعليم طبي حقيقي، وقد يعودون إلى مصر وهم يمتلكون خبرات جيدة. لكن القضية تتعلق بتفاوت الفرص. الأسرة التي تستطيع تحمل تكاليف دراسة الطب بالخارج تملك خيارات أكثر، بينما الأسرة التي لا تستطيع تحمل هذه التكاليف قد تجد أن مجموع ابنها حسم مستقبله في اتجاه مختلف. وهنا يصبح التعليم العالي جزءًا من نقاش أوسع حول الفوارق الاقتصادية والاجتماعية. فالمجموع يحدد الطريق في جانب، والقدرة المالية توسع الطريق في جانب آخر. والأخطر أن يتحول هذا الوضع إلى سوق مفتوحة لبعض الجهات التي تروج للطلاب على أساس «القبول السهل» و«المصاريف المناسبة» دون التركيز على جودة التعليم أو الاعتراف الحقيقي بالجامعة. إذا تحول الطب إلى سوق شهادات، فالمشكلة لا تتعلق فقط بحق الطالب في الحصول على تعليم جيد، وإنما تتعلق بحق المجتمع كله في الحصول على أطباء مؤهلين. فالطبيب في النهاية لا يعمل في مهنة عادية يمكن فيها إصلاح الخطأ بسهولة. هو يتعامل مع حياة إنسان، وقرار خاطئ قد تكون له نتائج خطيرة. المريض عندما يدخل عيادة الطبيب لا يسأل عن مجموع الطبيب في الثانوية العامة، ولا يعرف كم دفعت أسرته لتعليم ابنها، ولا يهتم إن كان الطبيب درس في القاهرة أو في دولة أخرى المريض يريد شيئًا واحدًا: طبيبًا يعرف ماذا يفعل. ومن هنا يجب أن يكون معيار الكفاءة الطبية هو الأساس. لا مشكلة في أن يدرس الطالب الطب في مصر أو في الخارج، ولا مشكلة في وجود مسارات متعددة أمام الطلاب، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح القدرة المالية وسيلة لتجاوز معايير الجودة، أو عندما تتحول الشهادة إلى هدف منفصل عن التعليم والتدريب الحقيقي. المطلوب إذن ليس إغلاق باب دراسة الطب بالخارج، وإنما التأكد من أن هذا الباب لا يتحول إلى باب خلفي لمهنة تحتاج إلى أعلى درجات الكفاءة. وإذا كان هناك طالب حصل على 90% ولم يستطع دخول الطب في مصر، فمن حقه أن يبحث عن فرصة أخرى وفق القواعد. وإذا اختار الدراسة في الخارج، فمن حقه أن يحصل على تعليم جيد وأن يعرف مسبقًا وضع الجامعة التي سيلتحق بها وإجراءات الاعتراف والمعادلة. وفي المقابل، من حق المريض أن يطمئن إلى أن الطبيب الذي يقف أمامه استوفى المعايير العلمية والمهنية اللازمة، بغض النظر عن المكان الذي درس فيه. في النهاية، ليست القضية معركة بين «طبيب مصر» و«طبيب الخارج»، وليست اتهامًا لكل من يسافر لدراسة الطب بأنه اشترى مستقبله بالمال. القضية الحقيقية أكبر من ذلك بكثير: هل نحن نضمن أن معيار الوصول إلى مهنة الطب هو الكفاءة، أم أن المال يستطيع في بعض الحالات أن يفتح الطريق عندما يغلقه المجموع؟ وهل تضمن الدولة أن جودة التعليم والتدريب الطبي التي يحصل عليها الطالب في الخارج توازي المستوى المطلوب لممارسة المهنة داخل مصر؟ فالمال يمكن أن يشتري فرصة تعليمية، ويمكن أن يدفع تكاليف السفر والجامعة، لكنه لا يجب أن يكون بديلًا عن العلم. وفي مهنة يكون فيها الخطأ حياة أو موتًا، يجب أن تظل الكفاءة فوق المجموع، وفوق المال، وفوق اسم الجامعة.

محمود أبو السعود أغسطس ٨, ٢٠٢٦ 0
«المصروفات مجرد البداية».. فاتورة المدارس الخاصة تلتهم ميزانية الأسرة المصرية

مع اقتراب العام الدراسي 2026/2027، تبدأ الأسر المصرية رحلة جديدة للبحث عن المدرسة المناسبة لأبنائها، لكن السؤال لم يعد متعلقًا بجودة التعليم أو موقع المدرسة فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بسؤال أكثر صعوبة: كم ستدفع الأسرة طوال العام؟ فالمصروفات الدراسية لم تعد تمثل وحدها التكلفة الحقيقية التي يتحملها ولي الأمر، إذ تدخل معها حسابات أخرى تبدأ من رسوم القيد والتسجيل، وتمتد إلى الكتب والزي المدرسي والأنشطة والنقل المدرسي، لتتحول في النهاية إلى فاتورة سنوية قد تختلف بصورة كبيرة عن الرقم الذي تعرفه الأسرة عند التقديم. وتأتي هذه الحسابات في وقت حددت فيه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني ضوابط ورسومًا للعام الدراسي الجديد، من خلال القرار الوزاري رقم 116 بتاريخ 10 يونيو 2026، والذي نظم الرسوم والغرامات والاشتراكات ومقابل الخدمات والأنشطة الطلابية للعام الدراسي 2026/2027. زيادة المصروفات.. نسب مختلفة حسب قيمة المدرسة وبالنسبة للمدارس الخاصة والمدارس التي تطبق مناهج ذات طبيعة خاصة دولية، فإن الزيادة لا تأتي بنسبة واحدة لجميع المدارس، وإنما ترتبط بشريحة المصروفات الدراسية. وبحسب الشرائح المنظمة، تبلغ نسبة الزيادة 10% للمدارس التي تقل مصروفاتها عن 50 ألف جنيه، بينما تصل إلى 8% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 50 ألف جنيه وتقل عن 70 ألفًا. وتنخفض النسبة إلى 7% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 70 ألف جنيه وتقل عن 100 ألف جنيه، ثم إلى 6% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 100 ألف جنيه وتقل عن 200 ألف جنيه، بينما تبلغ 5% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 200 ألف جنيه فأكثر. وهذا يعني أن ولي الأمر لا يستطيع معرفة الزيادة التي ستتحملها الأسرة بمجرد معرفة أن المدرسة «خاصة» أو «دولية»، وإنما يجب أولًا معرفة الشريحة التي تقع فيها مصروفات المدرسة. الرقم المكتوب في إعلان المدرسة ليس نهاية الحساب لكن المصروفات الدراسية تظل جزءًا من الصورة فقط. فالأسرة مطالبة بحساب تكلفة الكتب والزي المدرسي والأنشطة، فضلًا عن النقل المدرسي بالنسبة للطلاب الذين يستخدمون الباص. وهنا تظهر الفجوة بين «مصروفات المدرسة» و«تكلفة التعليم» قد تعلن مدرسة عن مصروفات دراسية تبدو أقل من مدرسة أخرى، لكن إضافة تكلفة النقل والكتب والأنشطة والخدمات المختلفة قد تغير ترتيب المدارس تمامًا عند حساب التكلفة السنوية الحقيقية. ولهذا فإن القرار المالي للأسرة يجب ألا يعتمد على الرقم الأول الذي تسمعه عند السؤال عن المصروفات، وإنما على إجمالي ما ستدفعه خلال العام. رسوم وخدمات.. الوزارة تحدد ما يجوز تحصيله وزارة التربية والتعليم حددت من خلال القرار الوزاري رقم 116 الرسوم والاشتراكات ومقابل الخدمات والأنشطة الطلابية للعام الدراسي الجديد، مع التأكيد على عدم تحصيل مبالغ خارج البنود والقيم المنظمة. ومن بين البنود التي تناولها القرار خدمات القيد والتسجيل والحفظ الإلكتروني، إلى جانب اشتراكات الأنشطة الرياضية والكشفية والاجتماعية والفنية والتربية البيئية والسكانية والصحية والمكتبات، وكذلك بعض الاشتراكات المرتبطة بمجالس الأمناء والآباء والمعلمين والاتحادات الطلابية. وهنا تبرز أهمية أن يطلب ولي الأمر بيانًا واضحًا بالمبالغ المطلوب سدادها، وألا يكتفي بمعرفة قيمة المصروفات الدراسية الأساسية. الباص المدرسي.. بند قادر على تغيير المعادلة النقل المدرسي يمثل واحدًا من أكثر البنود التي يمكن أن ترفع تكلفة التعليم، خاصة عندما تكون المدرسة بعيدة عن محل إقامة الأسرة. ففي بعض الحالات، لا يكون اختيار المدرسة الأرخص دراسيًا هو الاختيار الأقل تكلفة في النهاية؛ إذ يمكن أن ترفع تكلفة الباص الفاتورة السنوية بصورة تجعل الفارق بين المدارس أقل مما يبدو عند مقارنة المصروفات وحدها. وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة للأسرة التي لديها طفلان أو أكثر، لأن تكلفة النقل قد تتكرر مع كل طالب، لتتحول من بند إضافي إلى عبء ثابت داخل ميزانية الأسرة. الكتب والزي والأنشطة.. المصروفات التي تأتي بعد المصروفات هناك أيضًا قائمة من الاحتياجات التي لا يمكن للطالب الاستغناء عنها مع بداية العام الدراسي، وفي مقدمتها الكتب والزي والأدوات المدرسية. ومع إضافة هذه البنود إلى المصروفات الأساسية والنقل والأنشطة، تصبح الأسرة أمام فاتورة تعليمية متكاملة تحتاج إلى التخطيط مسبقًا. المشكلة هنا أن بعض الأسر تبدأ الحساب من قيمة المصروفات الدراسية، ثم تكتشف تدريجيًا بقية البنود، وهو ما يجعل الميزانية التي وضعتها في البداية غير كافية. السؤال الذي يجب أن يطرحه ولي الأمر قبل دفع أي مبالغ، يحتاج ولي الأمر إلى معرفة التكلفة السنوية الكاملة للطالب، وليس فقط قيمة المصروفات الدراسية. كم تبلغ المصروفات؟ كم تكلفة الباص؟ هل الكتب ضمن المصروفات أم منفصلة؟ ما تكلفة الزي؟ ما الأنشطة التي يتم تحصيل مقابلها؟ وهل توجد خدمات أخرى؟ وما المبالغ التي يتم سدادها مرة واحدة وما الذي يتكرر خلال العام؟ هذه الأسئلة أصبحت جزءًا أساسيًا من قرار اختيار المدرسة، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وتعدد الالتزامات التي تواجه الأسرة المصرية. عندما يصبح تعليم طفل واحد مشروع ميزانية المشكلة تتضاعف عندما يكون لدى الأسرة أكثر من طفل في المدرسة الخاصة. فإذا كانت تكلفة الطالب الواحد تتكون من عدة بنود، فإن الأسرة التي لديها طفلان أو ثلاثة لا تضاعف المصروفات الدراسية فقط، وإنما تضاعف معها جزءًا كبيرًا من تكلفة الكتب والزي والنقل والأنشطة. وبالتالي فإن قرار اختيار المدرسة يجب أن يرتبط بقدرة الأسرة على الاستمرار في دفع التكلفة لسنوات، وليس فقط قدرتها على تحمل مصروفات السنة الأولى. من يحمي ولي الأمر من أي مبالغ غير واضحة؟ هنا يظهر الدور الرقابي لوزارة التربية والتعليم والإدارات التعليمية، بالتوازي مع مسؤولية ولي الأمر في الاحتفاظ بإيصالات السداد وطلب بيان واضح بالمبالغ المطلوبة. فالوزارة أكدت أن الرسوم والخدمات يجب أن تكون وفق القواعد المحددة، وأنه لا يجوز تحصيل مبالغ إضافية خارج ما تقرره القواعد المنظمة. ومن ثم، فإن أي خلاف حول مبلغ إضافي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة فردية بين ولي الأمر والمدرسة، وإنما يجب أن يكون هناك مسار واضح للشكوى والتحقق من قانونية المبلغ المطلوب. فاتورة التعليم الحقيقية تبدأ من الرقم الأخير في النهاية، لم يعد السؤال الصحيح هو: «كم مصروفات المدرسة؟» السؤال الأكثر دقة هو: «كم ستدفع الأسرة فعليًا على الطالب خلال عام دراسي كامل؟» فبين المصروفات الأساسية والكتب والزي والباص والأنشطة والخدمات المختلفة، تتشكل فاتورة أكبر من الرقم الذي يظهر في البداية. ومع استعداد الأسر للعام الدراسي 2026/2027، تصبح الشفافية في إعلان التكلفة الكاملة ضرورة لا رفاهية، حتى يستطيع ولي الأمر اتخاذ قراره على أساس واضح، ويعرف منذ البداية ما الذي سيدفعه، وما الذي يحصل عليه، وما البنود التي يحق للمدرسة تحصيلها وفق القواعد المنظمة.

محمود أبو السعود أغسطس ٨, ٢٠٢٦ 0
الصورة الكاملة: خريطة الصراع على المعادن النادرة.. من يملك مفاتيح الثورة التكنولوجية القادمة؟

عندما نتحدث عن الصراعات الدولية والتحولات الجيوسياسية، غالباً ما تتجه الأبصار نحو شحنات النفط وخطوط الغاز الطبيعي. لكن الحقيقة التي تتبلور بوضوح في المشهد العالمي الراهن تشير إلى أن ثروات القرن الحادي والعشرين الحقيقية لم تعد تقاس ببراميل الخام، بل بجرامات دقيقة من "المعادن النادرة" (Rare Earth Elements). إنها العناصر الكيميائية السحرية التي تدخل في صناعة كل ما يشكل حاضرنا ومستقبلنا: من رقائق الهواتف الذكية وبطاريات السيارات الكهربائية، إلى التوربينات العملاقة للطاقة النظيفة وأنظمة التوجيه للدبابات والصواريخ النفاثة. لكي تفهم "الصورة الكاملة" لمستقبل الاقتصاد والتكنولوجيا، عليك أن تنظر إلى القاع المظلم لمناجم المعادن النادرة.  ما هي المعادن النادرة ولماذا تشتعل المعركة عليها؟ المعادن النادرة هي مجموعة تضم 17 عنصرًا كيميائيًا في الجدول الدوري (مثل النيوديميوم، الليثيوم، الكوبالت، والديسبروسيوم). والمفارقة التاريخية هي أن هذه العناصر ليست "نادرة" بالمعنى الحرفي للكلمة في قشرة الأرض، بل الندرة تكمن في صعوبة العثور عليها بتركيزات عالية، والتعقيد التكنولوجي والبيئي الشديد لاستخراجها وتكريرها. إن عملية فصل هذه المعادن عن الخامات الصخرية تتطلب تقنيات كيميائية معقدة للغاية وتنتج مخلفات بيئية مشعة وصعبة المعالجة. بناءً على ذلك، أصبحت الدولة التي تمتلك البنية التحتية لتكرير هذه المعادن هي التي تتحكم بـ "صمام الأمان" لجميع الصناعات المتقدمة في العالم. أبعاد السيطرة وسلاسل الإمداد العالمية تحليليًا، للوصول إلى الصورة الكاملة للنزاع حول المعادن النادرة، يجب تفكيك خريطة القوى والأبعاد الاستراتيجية عبر المحاور التالية: 1. الاحتكار الصيني المطبِق تسيطر الصين حاليًا على نحو 60% من عمليات استخراج المعادن النادرة عالميًا، وأكثر من 80% إلى 90% من عمليات تكريرها وفصلها الكيميائي. هذا الاحتكار الشامل لم يأتِ وليد المصادفة، بل كان نتيجة استراتيجية طويلة الأجل بدأتها بكين منذ ثمانينيات القرن الماضي عبر الاستثمار الضخم وتحمل التكاليف البيئية الباهظة في حين أغلق الغرب مناجمه، مما جعل العالم أجمع مرتهنًا للقرار الصيني. 2. المحاولات الغربية للفك والارتباط تدرك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خطورة هذا الاعتماد الأحادي؛ حيث إن أي قرار صيني بتقييد تصدير هذه المعادن كفيل بإحداث شلل تام في مصانع التكنولوجيا والسيارات والأسلحة الغربية. نتيجة لذلك، بدأت واشنطن وحلفاؤها في ضخ مليارات الدولارات لإعادة فتح مناجم محلية (مثل منجم ماونتن باس في كاليفورنيا) وتأمين سلاسل توريد بديلة في أستراليا وكندا وأفريقيا. 3. البعد البيئي والتعقيد اللوجستي المشكلة الكبرى التي تواجه الغرب في السباق ليست في الحفر والاستخراج، بل في "التكرير". معايير الحماية البيئية الصارمة في الدول الغربية تبطئ من إنشاء مصانع التكرير، إذ إن استخلاص كيلو جرام واحد من بعض المعادن النادرة يتطلب استخدام أطنان من الأحماض الكيميائية الضارة، مما يجعل المعركة تكنولوجية وبيئية بنفس القدر. تداعيات سلاح المعادن على التحول الأخضر والأمن إن أي اضطراب في سوق المعادن النادرة يترك آثارًا ممتدة تتعدى الشركات التكنولوجية: تهديد التحول نحو الطاقة النظيفة: بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح تعتمد كليًا على الليثيوم والنيوديميوم. أي نقص في الإمدادات يعني تعطيل أهداف المناخ القومية وارتفاع أسعار الطاقة البديلة. الأمن القومي والعسكري: المقاتلات الحديثة من الجيل الخامس (مثل F-35) تحتوى الحبة الواحدة منها على مئات الكيلوجرامات من المعادن النادرة في أجهزة الرادار والمحركات، مما يجعل سلاح المعادن تهديدًا مباشرًا للجاهزية العسكرية. كيف تُستخدم المعادن أداةً للضغط السياسي؟ تتضح الصورة أكثر عندما نرى كيف تحولت هذه المادة الخام إلى حجر شطرنج في ألعاب السياسة الدولية: مثال واقعي: الأزمة الدبلوماسية الشرسة التي اندلعت بين الصين واليابان عام 2010 حول جزر متنازع عليها، حيث قامت بكين فورًا بحظر تصدير المعادن النادرة إلى اليابان مؤقتًا. التطبيق والتأثير: توقفت مصانع الإلكترونيات والسيارات اليابانية العملاقة عن العمل في غضون أيام، مما أجبر طوكيو على التراجع والرضوخ الدبلوماسي. تلك الحادثة كانت بمثابة "جرس إنذار" أظهر للعالم كيف يمكن استخدام التكرير الكيميائي كسلاح جيوسياسي فتاك دون إطلاق رصاصة واحدة. البدائل التكنولوجية إعادة التدوير تُشير التوقعات في قطاع الطاقة والتكنولوجيا إلى أن السنوات العشر القادمة ستشهد سباقًا محمومًا نحو الاستثمار في "تكنولوجيا إعادة التدوير" (E-waste Recycling) لاستخلاص المعادن النادرة من الأجهزة الإلكترونية والبطاريات المستعملة بدلاً من استخراجها من الأرض. كما تتجه أبحاث الذكاء الاصطناعي والكيمياء إلى تطوير ألمنيوم ومغناطيسات فائقة الجودة تعتمد على مواد بديلة ومتاحة، للحد من الهيمنة الأحادية وتأمين سلاسل الإمداد العالمية. من يمتلك العناصر يمتلك المستقبل لتكتمل الصورة الكاملة، يجب أن ندرك أن حرب المعادن النادرة هي المعركة الحقيقية التي تدور خلف كواليس الاقتصاد العالمي اليوم. إنها ليست مجرد صراع تجاري، بل هي الركيزة الأساسية التي ستحدد الدولة التي ستسود العالم تكنولوجيًا وعسكريًا واقتصاديًا في العصر القادم. العالم لا يتجه نحو الاستغناء عن المعادن، بل نحو صراع أشرس للاستحواذ عليها.

ريتاج محمد أغسطس ٧, ٢٠٢٦ 0
«البرلمان مطالب بالتحرك.. أزمة الخطوط المجهولة تهدد ملايين المواطنين»

لم تعد أزمة تسجيل خطوط المحمول بأسماء المواطنين دون علمهم مجرد شكاوى متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ظاهرة تثير القلق وتفرض نفسها على الرأي العام، بعدما فوجئ آلاف المواطنين بوجود شرائح هاتف محمول مسجلة بأسمائهم، رغم أنهم لم يتقدموا بطلب للحصول عليها، ولم يستخدموها يومًا، ولم يعلموا بوجودها إلا بالصدفة. الأخطر من ذلك أن هذه الخطوط قد تُستخدم في ارتكاب جرائم أو عمليات نصب واحتيال أو إنشاء حسابات إلكترونية مزيفة، ليجد المواطن نفسه فجأة طرفًا في وقائع لا يعلم عنها شيئًا، فقط لأن بياناته الشخصية أصبحت في يد آخرين. هذه الأزمة تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مدى كفاءة منظومة تسجيل خطوط المحمول في مصر، وكيف يمكن لخط أن يُستخرج باسم مواطن دون حضوره أو موافقته، وأين ذهبت إجراءات التحقق من الهوية التي تؤكد شركات الاتصالات أنها تطبقها عند بيع أي شريحة جديدة. فإذا كانت القواعد واضحة، فلماذا تتكرر الشكاوى؟ وإذا كانت هناك مخالفات فردية، فلماذا لم تختفِ حتى الآن؟ وإذا كانت الشركات تمتلك قواعد بيانات وأنظمة إلكترونية متطورة، فكيف تمر مثل هذه الوقائع دون اكتشافها إلا بعد أن يكتشفها المواطن بنفسه؟ الأزمة لم تعد تخص شركات المحمول وحدها، بل أصبحت قضية تمس الأمن القانوني والرقمي للمواطن، ففي ظل التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، بل أصبح مفتاحًا للحسابات البنكية، والمحافظ الإلكترونية، والخدمات الحكومية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتوقيع الإلكتروني، واستلام الأكواد السرية الخاصة بالمعاملات المالية، وبالتالي فإن أي تلاعب في بيانات تسجيل الخطوط يفتح الباب أمام مخاطر أكبر بكثير من مجرد امتلاك شريحة هاتف، وقد يعرّض الأبرياء لمشكلات قانونية أو أمنية لم يتسببوا فيها. اللافت للنظر أن أغلب الضحايا لا يعلمون بوجود هذه الخطوط إلا بعد سنوات، أو عند استخدام الخدمات التي تكشف عدد الخطوط المسجلة باسمهم، فيكتشف أحدهم وجود خط أو أكثر لا يعرف عنه شيئًا، بعضهم يسارع إلى إلغاء الخطوط، بينما يعيش آخرون في حالة من القلق خوفًا من أن تكون قد استُخدمت في أعمال غير مشروعة. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية من يتحمل مسؤولية ما قد ينتج عن استخدام خط مسجل باسم مواطن لا يعلم بوجوده؟ ورغم أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أتاح وسائل تمكن المواطنين من الاستعلام عن الخطوط المسجلة بأسمائهم، فإن ذلك لا يعفي شركات المحمول من مسؤوليتها الأصلية، وهي التأكد من هوية طالب الخدمة قبل إصدار أي شريحة فالمطلوب ليس فقط اكتشاف الخطأ بعد وقوعه، وإنما منع حدوثه من الأساس. كما أن الاكتفاء بإلغاء الخط بعد اكتشافه لا يعالج أصل المشكلة، ولا يطمئن المواطن إلى أن بياناته لن تُستخدم مرة أخرى بالطريقة نفسها. المسؤولية لا تقف عند حدود شركات الاتصالات، بل تمتد إلى جميع منافذ البيع والوكلاء المعتمدين الذين يتعاملون مباشرة مع المواطنين فإذا ثبت أن بعض الشرائح يتم استخراجها بالمخالفة للقواعد، فإن ذلك يعني وجود خلل في الرقابة أو تقصير في تطبيق الإجراءات أو استغلال غير مشروع لبيانات المواطنين، وهو أمر يستوجب تحقيقًا شفافًا ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه، لأن الأمر يتعلق بحقوق ملايين المواطنين، وليس بمخالفة إدارية عابرة. وسط كل ذلك، يبرز الغياب الملحوظ للدور البرلماني. فهذه القضية تمس شريحة واسعة من المصريين، وكان من الطبيعي أن تتحول إلى ملف رقابي تحت قبة مجلس النواب، من خلال طلبات إحاطة واستجوابات واستدعاء مسؤولي وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول، لمعرفة الحجم الحقيقي للأزمة، وعدد الحالات التي تم رصدها، والإجراءات التي اتخذت لمحاسبة المخالفين، وخطة منع تكرار هذه الوقائع مستقبلًا. فالدور الرقابي للبرلمان لا يقتصر على مناقشة القوانين، بل يمتد إلى حماية حقوق المواطنين عندما تتعرض للخطر. المواطن اليوم لا يبحث عن بيانات مطمئنة أو تصريحات تؤكد أن الأمور تحت السيطرة، بل يريد ضمانات حقيقية تمنع تسجيل أي خط باسمه دون حضوره وموافقته، ويريد نظامًا يبلغه فور استخراج أي شريحة جديدة ببياناته، حتى يتمكن من الاعتراض في اللحظة نفسها إذا كان الأمر تم دون علمه كما ينتظر تشديد العقوبات على كل من يثبت استغلاله لبيانات المواطنين، سواء كان موظفًا أو موزعًا أو أي طرف آخر شارك في هذه المخالفات. إن حماية البيانات الشخصية لم تعد رفاهية في عصر الاقتصاد الرقمي، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي، لأن تسريب البيانات أو إساءة استخدامها قد يفتح الباب أمام جرائم إلكترونية ومالية يصعب حصر آثارها، وإذا كانت الدولة قد أنفقت مليارات الجنيهات لبناء بنية تحتية رقمية متطورة، فإن الحفاظ على ثقة المواطن في هذه المنظومة يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن تطويرها. ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته متى يتحرك مجلس النواب لفتح هذا الملف على نطاق واسع، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، ومحاسبة المقصرين، وإلزام شركات المحمول بإجراءات أكثر صرامة لحماية بيانات العملاء؟ فالأزمة لم تعد تتعلق بخط هاتف مجهول، وإنما بحق كل مواطن في أن تكون بياناته الشخصية مصونة، وألا يتحول اسمه إلى غطاء يستخدمه آخرون دون علمه أو موافقته، بينما يظل هو من يتحمل تبعات أخطاء لم يرتكبها.

محمود أبو السعود أغسطس ٧, ٢٠٢٦ 0
«خط باسمك.. والمتهم أنت».. بيانات المواطنين تتحول إلى شرائح محمول في أيدي المجهولين

في عصر أصبحت فيه الهوية الرقمية لا تقل أهمية عن بطاقة الرقم القومي، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء المكالمات أو تصفح الإنترنت، بل أصبح مفتاحًا للحصول على الخدمات البنكية، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات الحكومية، وحتى توثيق الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع هذا التطور، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في اكتشاف بعض المواطنين وجود خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم دون أن يكون لهم أي صلة بها، وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية حدوث ذلك، ومدى سلامة الإجراءات المتبعة في تسجيل الشرائح، ومن يتحمل المسؤولية إذا استُخدمت تلك الخطوط في ارتكاب جرائم أو عمليات نصب أو احتيال إلكتروني، وبين شكاوى المواطنين، وضوابط شركات الاتصالات، ودور الجهات الرقابية، يفتح هذا التحقيق ملفًا شائكًا يمس ملايين المستخدمين، ويكشف حجم المخاطر التي قد يتعرض لها أي مواطن بسبب خط لم يشتره ولم يستخدمه. من بطاقة شخصية إلى خط هاتف تبدأ رحلة استخراج أي خط هاتف محمول بتقديم بطاقة الرقم القومي، وهي خطوة تهدف إلى ضمان معرفة هوية المستخدم الحقيقي، إلا أن بعض الشكاوى تشير إلى أن هذه البيانات قد تُستخدم في بعض الحالات لتسجيل خطوط أخرى دون علم أصحابها، سواء نتيجة مخالفات فردية داخل بعض منافذ البيع، أو بسبب أخطاء في إجراءات التسجيل، أو ضعف الالتزام بضوابط التحقق من شخصية العميل، ويرى متخصصون أن توسع شبكة الموزعين، مع الضغط لتحقيق مبيعات أكبر، قد يخلق فرصًا لوقوع تجاوزات إذا غابت الرقابة الصارمة، لذلك فإن الحفاظ على بيانات المواطنين، وعدم استخدامها إلا في الغرض الذي جُمعت من أجله، أصبح ضرورة لحماية الحقوق ومنع استغلال الهوية الشخصية في تسجيل شرائح لا يعلم أصحابها عنها شيئًا. الضحية قد يكون متهمًا تكمن الخطورة الحقيقية في أن الخط المسجل باسم مواطن يجعله، من الناحية الإجرائية، أول من تتجه إليه الأنظار إذا استُخدم الرقم في واقعة جنائية أو مخالفة قانونية. فقد يُستخدم الخط في إرسال رسائل احتيالية، أو إنشاء محافظ إلكترونية، أو تنفيذ عمليات نصب، أو حتى التواصل في جرائم إلكترونية، بينما يجد صاحب البطاقة نفسه مضطرًا لإثبات أنه لا علاقة له بهذا الرقم، ورغم أن التحقيقات تكشف الحقيقة في النهاية، فإن مجرد دخول المواطن في دائرة الاشتباه قد يسبب له أضرارًا نفسية وقانونية، ويستغرق وقتًا وجهدًا لإثبات براءته، وهو ما يجعل اكتشاف الخطوط غير المعروفة المسجلة باسمه أمرًا بالغ الأهمية. ثغرات تحتاج إلى مراجعة يرى خبراء في قطاع الاتصالات أن التطور التكنولوجي يجب أن يصاحبه تطوير مستمر لآليات التحقق من هوية العملاء، فالاكتفاء بصورة بطاقة الرقم القومي قد لا يكون كافيًا في ظل تطور أساليب التزوير واستغلال البيانات، ويطالب المتخصصون بتطبيق وسائل تحقق أكثر دقة، مثل المطابقة الإلكترونية الفورية للبيانات، أو استخدام وسائل تحقق بيومترية في عمليات التسجيل، إلى جانب تكثيف حملات التفتيش على منافذ البيع، ومراجعة عمليات تفعيل الشرائح بصورة دورية، كما يشددون على ضرورة توقيع عقوبات رادعة على أي منفذ يثبت تورطه في تسجيل خطوط بالمخالفة للقواعد المنظمة، حفاظًا على حقوق المواطنين وسلامة سوق الاتصالات. رأي قانوني يؤكد عدد من رجال القانون أن استخدام بيانات أي مواطن دون موافقته في تسجيل خط هاتف يمثل مخالفة تستوجب التحقيق إذا ثبت وقوعها، خاصة أن القوانين المصرية تنظم جمع البيانات الشخصية واستخدامها، وتفرض التزامات على الجهات التي تحتفظ بها، ويشير قانونيون إلى أن مسؤولية حماية بيانات العملاء لا تقع على المواطن وحده، وإنما تمتد إلى كل جهة تجمع هذه البيانات أو تستخدمها، كما يحق لأي مواطن يكتشف وجود خطوط لا تخصه أن يتقدم بشكوى إلى شركة الاتصالات المعنية، وفي حال عدم إزالة الضرر يمكنه اللجوء إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ثم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لضمان حفظ حقوقه ومحاسبة المتسبب في الواقعة. رأي خبير أمن معلومات يقول خبراء أمن المعلومات إن رقم الهاتف أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الرقمي، إذ يعتمد عليه في استعادة كلمات المرور، وتفعيل الحسابات البنكية، وربط المحافظ الإلكترونية، واستقبال رموز التحقق الخاصة بالتطبيقات المختلفة، ولذلك فإن تسجيل خط باسم شخص آخر لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل قد يفتح الباب أمام جرائم إلكترونية معقدة يصعب اكتشافها في بدايتها، ويطالب الخبراء بتشديد إجراءات حماية البيانات، وعدم تداول صور بطاقات الرقم القومي عبر تطبيقات المراسلة أو تركها لدى جهات غير موثوقة، مع ضرورة رفع الوعي المجتمعي بمخاطر إساءة استخدام البيانات الشخصية. ماذا تقول شركات الاتصالات؟ تؤكد شركات الاتصالات أنها تلتزم بالضوابط والتعليمات المنظمة لتسجيل خطوط الهاتف المحمول، والتي تصدر عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وتشدد على أن جميع منافذ البيع ملزمة بالتحقق من شخصية العميل قبل تفعيل أي شريحة جديدة، كما تشير إلى أنها تتخذ إجراءات صارمة بحق أي موزع أو منفذ يثبت مخالفته للقواعد أو تورطه في تسجيل خطوط ببيانات غير صحيحة، وترى الشركات أن تعاون المواطنين في الإبلاغ عن أي مخالفة أو خط غير معروف يمثل عنصرًا مهمًا في كشف أي تجاوزات، بما يضمن استمرار تطوير منظومة التسجيل وحماية بيانات العملاء. كيف تحمي نفسك؟ يوصي المتخصصون بعدم ترك صورة بطاقة الرقم القومي لدى أي جهة إلا للضرورة القصوى، وعدم إرسالها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي إلا إذا كان ذلك من خلال جهات موثوقة، كما ينصحون بالاستعلام دوريًا عن الخطوط المسجلة بالرقم القومي، ومراجعة البيانات الشخصية عند التعامل مع شركات الاتصالات، والاحتفاظ بالمستندات التي تثبت إلغاء أي خط غير تابع لصاحبه، ويؤكد الخبراء أن سرعة الإبلاغ عن أي خط مجهول قد تمنع استخدامه في وقائع قد تسبب مشكلات قانونية لصاحب البيانات، وهو ما يجعل المتابعة المستمرة وسيلة فعالة لحماية الهوية الرقمية. الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.. خط الدفاع الأول يضطلع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بدور رئيسي في تنظيم سوق الاتصالات، ووضع الضوابط الخاصة بتسجيل خطوط المحمول، ومراقبة التزام الشركات بهذه القواعد. كما يستقبل الجهاز شكاوى المواطنين المتعلقة بخدمات الاتصالات، ويعمل على فحصها والتنسيق مع الشركات للوصول إلى حلول مناسبة، ويرى متخصصون أن تعزيز الرقابة الميدانية، وإجراء مراجعات دورية لبيانات المشتركين، وتطوير أنظمة التسجيل الإلكترونية، كلها خطوات من شأنها الحد من أي تجاوزات وضمان حماية بيانات المستخدمين، خاصة مع التوسع الكبير في الاعتماد على الخدمات الرقمية. القضية أكبر من مجرد شريحة قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد خط هاتف محمول، لكنه في الحقيقة يرتبط بالهوية الرقمية الكاملة للمواطن، فكل شريحة تُسجل باسم شخص تمنحه مسؤوليات قانونية، وقد تفتح الباب أمام استخدام اسمه في معاملات أو جرائم لا يعلم عنها شيئًا، ومن هنا، فإن حماية بيانات المواطنين لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العصر الرقمي، ويظل الحل في تشديد الرقابة، وتطوير وسائل التحقق، ومحاسبة أي متورط في إساءة استخدام البيانات، مع نشر الوعي بين المواطنين بأهمية متابعة الخطوط المسجلة بأسمائهم، حتى لا يتحول رقم هاتف مجهول إلى أزمة قانونية قد تستغرق سنوات لإثبات حقيقتها.

محمود أبو السعود أغسطس ٧, ٢٠٢٦ 0
وزير الصناعة يبحث إنشاء مصنع عالمي للحراريات.. ونواب: المشروع يدعم الاقتصاد ويخلق فرص عمله

حظيت تحركات المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، لتوطين صناعة الحراريات في مصر بإشادة واسعة من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل دفعة قوية للصناعات الثقيلة، وتسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز تنافسية المنتج المصري، وزيادة الصادرات. وأكد أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أن القطاع الصناعي يمثل أحد أهم ركائز دعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الأجنبية، مشددًا على أن التوسع في التصنيع المحلي وزيادة معدلات التصدير يمثلان السبيل الأمثل لتحقيق النمو الاقتصادي. وأوضح أن توطين صناعة مستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها صناعة الحراريات، من شأنه حماية الصناعة المصرية من تقلبات الأسواق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، فضلًا عن الحد من ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما يعزز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية. ودعا إلى التوسع في تصنيع مستلزمات الإنتاج محليًا، والتركيز على عدد من الصناعات الاستراتيجية التي تحقق قيمة مضافة وتسهم في تقليل فاتورة الاستيراد. من جانبه، أشاد إبراهيم عبد النظير، عضو لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، بخطة وزارة الصناعة لتوطين صناعة الحراريات، معتبرًا أنها خطوة مهمة لدعم الصناعات الوطنية وتعزيز الاستثمار، خاصة مع المشروعات الكبرى التي تشهدها الدولة وتسهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. وفي السياق ذاته، أكد ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، أن الدولة تتبنى رؤية واضحة لدعم الصناعة الوطنية وخلق فرص عمل مستدامة للشباب، مشيرًا إلى أن الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب تشجيع الاستثمارات الصناعية الجادة، يمثلان ركيزة أساسية لزيادة الإنتاج والصادرات وتحقيق التنمية الاقتصادية. وكان وزير الصناعة قد عقد اجتماعًا مع مسؤولي شركة RHI Magnesita النمساوية، إحدى الشركات العالمية الرائدة في صناعة الحراريات، لبحث إقامة مشروع متكامل لإنتاج الحراريات في مصر، بما يخدم الصناعات الثقيلة ويعزز توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للقطاع الصناعي. وشهد الاجتماع، الذي حضره المهندس محمد زادة، مساعد وزير الصناعة للصناعات الاستراتيجية، استعراض خطط الشركة التوسعية وإمكانية إنشاء مصنع جديد في مصر، إلى جانب مناقشة فرص التعاون في نقل التكنولوجيا الحديثة وتطوير الصناعات التكميلية. وأكد الوزير أن الاستراتيجية المحدثة للصناعة المصرية 2030 تولي اهتمامًا كبيرًا بصناعة الحراريات، باعتبارها من الصناعات الأساسية التي تدخل في قطاعات مواد البناء والمعادن والصناعات الهندسية، فضلًا عن دورها في تلبية احتياجات المشروعات القومية. وأشار إلى أن المشروع المقترح يتماشى مع خطة الدولة لنقل التكنولوجيا الصناعية الحديثة، ورفع تنافسية المنتج المصري، وتعزيز فرص نفاذه إلى الأسواق الخارجية، مؤكدًا أن مصر أصبحت بيئة جاذبة للاستثمارات الصناعية العالمية بفضل ما تمتلكه من مقومات وفرص نمو واعدة. وأضاف أن إنشاء مصنع متكامل لإنتاج الحراريات في مصر سيسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية، وفتح أسواق تصديرية جديدة بمنطقة الشرق الأوسط، بما يدعم مستهدفات الدولة لزيادة الصادرات وتعميق الصناعة الوطنية. من جانبهم، استعرض مسؤولو شركة RHI Magnesita خبراتها العالمية في إنتاج الحراريات المستخدمة في صناعات الحديد والأسمنت والألومنيوم والنحاس والزجاج، إلى جانب توسعاتها الدولية في عدد من الأسواق. وأكد حكيم الدين علي، الرئيس الإقليمي للشركة لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، أن مصر تمثل سوقًا استراتيجية للشركة، في ظل توافر المواد الخام عالية الجودة، إلى جانب امتلاكها مقومات قوية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لصناعة الحراريات وخدمة الأسواق المجاورة.

محمود أبو السعود أغسطس ٦, ٢٠٢٦ 0
«فوق الـ40».. وزارة العمل تفتح باب الفرص أمام أصحاب الخبرات وتواجه ثقافة استبعاد السن

في سوق عمل تتغير قواعده باستمرار، وتزداد فيه الحاجة إلى أصحاب الخبرات والكفاءات، أطلقت وزارة العمل مبادرة جديدة تحمل اسم «فوق الـ40»، تستهدف إعادة دمج شريحة واسعة من أصحاب الخبرات المهنية في سوق التوظيف، والتأكيد على أن قيمة الموظف لا تُقاس بعمره، وإنما بما يمتلكه من مهارات وقدرة على الإنجاز.   وتأتي المبادرة بتوجيهات من وزير العمل حسن رداد، في إطار تفعيل بروتوكول تعاون يهدف إلى توفير فرص عمل مناسبة لمن تجاوزوا سن الأربعين، خاصة ممن يمتلكون خبرات عملية طويلة، لكنهم يواجهون صعوبة في الحصول على وظائف بسبب بعض اشتراطات السن التي تضعها جهات التوظيف.   خبرات متراكمة تبحث عن فرصة تستهدف مبادرة «فوق الـ40» أصحاب الخبرات في مختلف المجالات والقطاعات، ممن يمتلكون سجلاً عمليًا حافلًا بالمهارات والتجارب، حيث ترى وزارة العمل أن هذه الفئة تمثل رصيدًا بشريًا مهمًا يمكن الاستفادة منه داخل المؤسسات والشركات.   وأكدت الوزارة أن سنوات العمل الطويلة تمنح أصحابها قدرات خاصة، من بينها التعامل مع المواقف الصعبة، وإدارة فرق العمل، واتخاذ القرارات، ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، وهي عناصر تمثل إضافة حقيقية لأي مؤسسة تبحث عن التطوير وزيادة الإنتاجية.   وتسعى المبادرة إلى تغيير نظرة بعض جهات العمل التي تربط فرص التوظيف بصغر السن فقط، وإتاحة المجال أمام أصحاب الخبرات للعودة إلى المنافسة في سوق العمل وفقًا لمعايير الكفاءة والقدرة على العطاء.   الكفاءة معيار الاختيار وليس العمر   ترتكز المبادرة على مبدأ أساسي، وهو أن الخبرة المهنية تمثل قيمة لا يمكن تعويضها، وأن اختيار الموظفين يجب أن يعتمد على المهارات والقدرات وليس فقط على العمر.   وترى وزارة العمل أن وجود كوادر تمتلك خبرات طويلة داخل بيئة العمل يساهم في رفع كفاءة المؤسسات، نظرًا لما تتمتع به هذه الفئة من قدرة على تحمل المسؤولية، والانضباط، وسرعة التعامل مع التحديات، إلى جانب دورها في تدريب وتأهيل الشباب حديثي الخبرة.   دعوة للتسجيل في قاعدة بيانات الباحثين عن عمل ودعت وزارة العمل الراغبين في الاستفادة من المبادرة ممن تجاوزوا سن الأربعين إلى تسجيل بياناتهم من خلال الرابط الإلكتروني المخصص لذلك، تمهيدًا لإدراجهم ضمن قاعدة بيانات الباحثين عن فرص العمل.   وأوضحت الوزارة أن التسجيل يمثل الخطوة الأولى للاستفادة من المبادرة، على أن تتم عملية الترشيح وفقًا لمؤهلات المتقدمين وخبراتهم، وبما يتناسب مع احتياجات سوق العمل والوظائف المتاحة.   القطاع الخاص شريك في توفير الفرص ولم تقتصر المبادرة على الباحثين عن عمل فقط، حيث وجهت وزارة العمل الدعوة إلى شركات القطاع الخاص ومؤسسات التوظيف للمشاركة، من خلال تسجيل احتياجاتها من العمالة وإتاحة وظائف تناسب أصحاب الخبرات.   وتستهدف الوزارة من خلال هذه الشراكة خلق حلقة وصل بين أصحاب الخبرات والجهات التي تحتاج إلى كوادر مؤهلة، بما يحقق استفادة متبادلة بين الطرفين، ويدعم توجه الدولة نحو تعزيز ثقافة الاعتماد على الكفاءة والمهارة في التوظيف.   رسالة جديدة لسوق العمل تحمل مبادرة «فوق الـ40» رسالة واضحة مفادها أن سنوات الخبرة ليست عائقًا أمام الحصول على فرصة جديدة، بل تمثل قيمة مضافة يجب استثمارها، خاصة في ظل احتياج المؤسسات إلى كوادر تمتلك المعرفة والتجربة.   كما تعكس المبادرة توجهًا نحو تحقيق مزيد من تكافؤ الفرص، وإعادة إدماج أصحاب الخبرات في سوق العمل، بما يحقق فائدة للباحثين عن وظائف من ناحية، وللشركات التي تبحث عن عناصر قادرة على الإنجاز من ناحية أخرى.

محمود أبو السعود أغسطس ٦, ٢٠٢٦ 0
«محكمة الترند.. اتهام التحرش بين حماية الضحية وسقوط الأبرياء»

  خلال الساعات الماضية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول مقطع فيديو لسائق يعمل بإحدى شركات النقل الذكي، تحدث خلاله عن واقعة اتهمته فيها راكبة بالتحرش، بينما قدم السائق رواية مغايرة أكد فيها بحسب ما ظهر في الفيديو أن الاتهام غير صحيح، وأن الإصابات التي ظهرت على الراكبة لم تكن نتيجة اعتداء منه وإنما بسبب قيامها بإيذاء نفسها. وبين روايتين متناقضتين، تحولت الواقعة خلال ساعات قليلة إلى قضية رأي عام، وانقسم المتابعون بين مؤيد لرواية الراكبة ومتعاطف مع السائق، في مشهد أصبح يتكرر كثيرًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. القضية أعادت فتح ملف شائك هل أصبح الاتهام في زمن السوشيال ميديا عقوبة في حد ذاته؟ وهل يمكن أن يتحول بلاغ يحتاج إلى تحقيق إلى حكم اجتماعي يصعب تغييره حتى لو ظهرت الحقيقة لاحقًا؟ ويرى خبراء الاجتماع أن سرعة انتشار مثل هذه الوقائع تكشف تغير طبيعة المجتمع الرقمي، حيث أصبحت المنصات الإلكترونية ساحة للنقاش، لكنها في بعض الأحيان تتحول إلى محكمة تصدر أحكامها قبل انتهاء التحقيقات. التحرش جريمة تستوجب المواجهة.. والبراءة لا تثبت إلا بالدليل لا خلاف على أن التحرش جريمة خطيرة تمثل اعتداءً على كرامة الإنسان وحقه في الشعور بالأمان، وأن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى قوانين رادعة ومجتمع يرفض الصمت عن أي تجاوز. لكن خبراء القانون يؤكدون أن العدالة لا تبنى على الاتهامات وحدها، فالقانون يفرق بين مرحلة البلاغ ومرحلة الإثبات، وبين وجود شبهة وبين صدور حكم قضائي. ويقول خبراء قانونيون إن أي بلاغ يمثل بداية طريق التحقيق، حيث تقوم النيابة العامة بفحص الأدلة، وسماع أقوال الأطراف، ومراجعة التقارير الفنية، قبل الوصول إلى قرار نهائي. ويحذرون من خطورة تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة إصدار أحكام، لأن المتهم قد يتعرض لعقوبة اجتماعية قاسية قبل أن تتحدد مسؤوليته قانونًا. ويؤكد الخبراء أن حماية الضحية لا تتعارض مع حماية المتهم من الظلم، فكلاهما حق أصيل في أي دولة قانون. السوشيال ميديا.. بين كشف الحقيقة وصناعة الاتهام أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي تغييرًا كبيرًا في طريقة تعامل المجتمع مع القضايا، فلم تعد الأخبار تنتظر الصحف أو البيانات الرسمية، بل أصبحت تنتشر خلال دقائق عبر الهواتف المحمولة. ويرى متخصصون في علم النفس أن سرعة تداول الاتهامات تؤثر على طريقة تفكير الجمهور، إذ يميل البعض إلى تصديق الرواية الأولى التي يسمعها، خاصة إذا كانت تحمل جانبًا إنسانيًا أو تثير مشاعر الغضب. ويشير الخبراء إلى أن العقل البشري يتفاعل مع القصص العاطفية بسرعة أكبر من تحليله للحقائق، وهو ما يجعل بعض القضايا تتحول إلى موجات غضب جماعي قبل اكتمال المعلومات. ويضيفون أن خطورة الأمر تكمن في صعوبة استعادة سمعة الإنسان بعد انتشار اتهام بحقه، حتى لو انتهت التحقيقات إلى عدم ثبوت الواقعة. في المقابل، يؤكد خبراء الاجتماع أن وسائل التواصل ساعدت أيضًا بعض الضحايا على كسر حاجز الخوف والوصول إلى الجهات المختصة، ولذلك فإن الحل ليس في رفض هذه المنصات، وإنما في استخدامها بمسؤولية. الاتهام الكاذب.. جريمة تترك آثارًا مدمرة كما أن التحرش جريمة لها ضحايا، فإن الاتهام الكاذب أو استخدام البلاغات بهدف الانتقام أو التشهير يمثل هو الآخر ظلمًا له آثار خطيرة. ويرى خبراء الاجتماع أن المجتمع أحيانًا يتعامل مع الاتهام باعتباره حقيقة نهائية، متناسيًا أن التحقيق قد يكشف تفاصيل مختلفة تمامًا عن الصورة الأولى. فالإنسان الذي يتعرض لاتهام خطير قد يفقد وظيفته أو علاقاته أو مكانته الاجتماعية، وقد يظل يحمل آثار الأزمة حتى بعد انتهاء القضية. ويؤكد خبراء القانون أن من حق أي شخص تعرض للضرر بسبب بلاغ كاذب أن يلجأ إلى الطرق القانونية، لأن حماية المجتمع لا تكون فقط بمحاسبة المعتدين، وإنما أيضًا بمنع إساءة استخدام القانون. رأي النفس والاجتماع: لماذا تنتشر أحكام الإدانة سريعًا؟ يرى متخصصون في علم النفس الاجتماعي أن ظاهرة الإدانة السريعة مرتبطة برغبة المجتمع في حماية نفسه من الجرائم الخطيرة، لكن هذه الرغبة قد تتحول أحيانًا إلى اندفاع يؤدي إلى ظلم أحد الأطراف. ويشير الخبراء إلى أن الإنسان في عصر المعلومات السريعة أصبح يستهلك الأخبار في صورة مختصرة، وقد يبني موقفه على جزء صغير من القصة دون معرفة التفاصيل. ولهذا يؤكد المتخصصون أهمية نشر ثقافة التحقق، وعدم المشاركة في نشر اتهامات قد تؤثر على حياة أشخاص قبل صدور أحكام قضائية. الحقيقة لا يصنعها الترند في النهاية، تبقى الحقيقة أكبر من أي منشور أو فيديو أو حملة إلكترونية، فالعدالة لا تعمل بمنطق الأكثر انتشارًا، وإنما بمنطق الدليل. المجتمع يحتاج إلى موقف متوازن؛ يقف ضد التحرش بكل قوة، ويدعم كل من يتعرض للأذى، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على حق كل إنسان في الدفاع عن نفسه وعدم إدانته قبل المحاكمة. فالقضية ليست معركة بين رجل وامرأة، وإنما معركة بين الحقيقة والوهم، وبين العدالة والانفعال.    

محمود أبو السعود أغسطس ٥, ٢٠٢٦ 0
«المراهنات الإلكترونية.. لعبة تبدأ بالتسلية وتنتهي بأزمات مالية ونفسية»

لم يعد طريق الوهم يحتاج إلى لافتة كبيرة أو مكان سري، فكل شيء أصبح يختبئ داخل شاشة صغيرة يحملها الإنسان بين يديه ليلًا ونهارًا، بضغطة واحدة قد يجد الشاب نفسه أمام عالم مليء بالإغراءات، حيث تُباع الأحلام في صورة أرقام، وتُقدم المغامرة على أنها فرصة، والخسارة على أنها مجرد محاولة تحتاج إلى تكرار. في زمن يبحث فيه البعض عن باب سريع للهروب من ضغوط الحياة، ظهرت المراهنات الإلكترونية كأحد أخطر الفخاخ الرقمية؛ تبدأ برسالة تحمل وعدًا بالربح، أو إعلان يصنع صورة براقة عن الثراء السريع، أو تجربة صغيرة بدافع الفضول، ثم تتحول لدى البعض إلى مطاردة مستمرة لحلم لا يأتي. المشكلة ليست في لعبة تُفتح على الهاتف، بل في عقل يُقنع نفسه بأن الفوز القادم سيغير كل شيء، هنا تبدأ المعركة الحقيقية؛ معركة بين الرغبة في المكسب السهل وبين حقيقة تقول إن الثروات لا تُبنى بالحظ، وإن الطريق المختصر قد يكون أقصر طريق إلى الخسارة. خلف هذه الشاشات قصص لأموال ضاعت، وعلاقات توترت، وشباب دخلوا دائرة التعويض حتى فقدوا السيطرة على قراراتهم، فالمراهنات الإلكترونية لم تعد مجرد تسلية عابرة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تكشف كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من وسيلة للفرص إلى باب للاستغلال عندما يغيب الوعي. فمن يصنع هذا الوهم؟ ولماذا ينجذب إليه الشباب؟ وكيف تحولت بعض الألعاب الرقمية إلى صناعة تستفيد من حلم الإنسان الدائم بالربح السريع؟ أسئلة تفتح ملفًا جديدًا عن الجانب المظلم للعالم الرقمي، حيث لا يكون الرهان الحقيقي على المال فقط، بل على مستقبل جيل كامل. المراهنة على الأمل.. صناعة نفسية قبل أن تكون لعبة مالية لا تعتمد المراهنات الإلكترونية على فكرة المال فقط، بل تقوم في الأساس على فهم سلوك الإنسان وطريقة تفكيره، فالكثير من هذه الألعاب تقدم للمستخدم شعورًا دائمًا بأنه قريب من تحقيق الفوز، وأن المحاولة القادمة قد تكون مختلفة، وهو ما يجعل البعض يستمر رغم الخسائر المتكررة. ويرى متخصصون في علم النفس أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تكرار السلوك الذي ارتبط في ذهنه بفكرة النجاح، حتى لو كان النجاح محدودًا أو نادرًا، فعندما يحقق شخص مكسبًا في بداية التجربة، قد يتكون لديه اعتقاد بأنه قادر على تكرار الأمر، وأن الخسائر التي تحدث لاحقًا مجرد مرحلة مؤقتة. ويشير خبراء إلى أن أخطر ما في المراهنات هو ما يعرف نفسيًا باسم "مطاردة الخسارة"، حيث لا يتقبل الإنسان فقدان المال بسهولة، فيحاول تعويضه بمشاركة أكبر، وهو ما قد يقوده إلى خسائر أكثر. ويقول الدكتور أحمد سالم، أستاذ علم النفس الاجتماعي: إن بعض الأشخاص لا يدخلون عالم المراهنات لأنهم يبحثون عن الترفيه فقط، وإنما بسبب ضغوط اقتصادية أو اجتماعية تجعلهم يرون فيها فرصة للهروب من الواقع. ويضيف أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى فهم دوافع الأشخاص، وليس فقط انتقاد السلوك، لأن العلاج الحقيقي يبدأ من معرفة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى البحث عن المكسب السريع بدلًا من الطرق الطبيعية لتحقيق النجاح. أنواع المراهنات الإلكترونية.. أشكال متعددة وفكرة واحدة تتنوع المراهنات الإلكترونية وتختلف أشكالها حسب طبيعة اللعبة، لكن العامل المشترك بينها هو وجود مخاطرة مالية مقابل توقع نتيجة أو الحصول على مكسب محتمل. تأتي في مقدمة هذه الأنواع المراهنات الرياضية، وهي الأكثر انتشارًا بسبب ارتباطها بشعبية الرياضة، خاصة كرة القدم، ويقوم المستخدم بوضع توقعات حول نتائج المباريات أو أحداث معينة داخل اللقاء، ويعتقد بعض المشاركين أن معرفتهم بالرياضة تمنحهم قدرة أكبر على النجاح، لكن الواقع أن النتائج تظل مرتبطة بعوامل كثيرة لا يمكن التحكم فيها. أما النوع الثاني فهو ألعاب الكازينو الإلكترونية، التي تحاكي بعض الألعاب التقليدية القائمة على الحظ والاحتمالات، لكنها انتقلت إلى الإنترنت وأصبحت متاحة في أي وقت، وهو ما يزيد من سهولة الدخول إليها وتكرار التجربة. وهناك أيضًا ألعاب المكافآت والصناديق الرقمية التي تظهر داخل بعض الألعاب الإلكترونية، حيث ينفق المستخدم أموالًا للحصول على فرص أو عناصر معينة، وقد تتحول لدى البعض إلى إنفاق متكرر بحثًا عن الفوز. كما توجد ألعاب التوقعات المالية التي تقوم على توقع اتجاهات أو نتائج مرتبطة بمجالات مختلفة، وهي تحتاج إلى وعي كبير بالمخاطر، لأن التعامل معها دون معرفة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة. ويؤكد خبراء أن اختلاف أسماء الألعاب أو أشكالها لا يغير من جوهر المشكلة، فالمعيار الأساسي هو طبيعة التعامل معها هل هي وسيلة ترفيه محدودة، أم محاولة مستمرة لتحقيق دخل سريع؟   يمثل الشباب الفئة الأكثر جذبًا للمراهنات الإلكترونية، ليس لأنهم الأكثر تهورًا، ولكن لأنهم يعيشون مرحلة عمرية ترتبط بالكثير من الأحلام والطموحات والرغبة في تحقيق الاستقلال المالي وإثبات الذات وفي ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع متطلبات الحياة، قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام إغراءات تقدم لهم فكرة بسيطة: "اربح المال بسرعة دون انتظار سنوات من العمل". وهنا تبدأ الخطورة، لأن بعض المنصات تعتمد على استغلال هذا الشعور، فتقدم نماذج غير واقعية لأشخاص يظهرون وكأنهم حققوا أرباحًا كبيرة خلال وقت قصير، بينما لا تظهر الصورة الأخرى المليئة بالخسائر التي يتعرض لها عدد كبير من المشاركين. ويؤكد خبراء علم الاجتماع أن مرحلة الشباب تتميز بحب التجربة والرغبة في اكتشاف الجديد، وهو أمر طبيعي، لكن المشكلة تظهر عندما تغيب الثقافة المالية والقدرة على تقييم المخاطر، فالشخص الذي لا يمتلك وعيًا كافيًا قد يخلط بين الاستثمار الحقيقي والمغامرة القائمة على الحظ. ويقول الدكتور محمود عبد الرحمن، أستاذ علم الاجتماع: إن جزءًا من انتشار هذه الظاهرة يعود إلى تغير مفهوم النجاح لدى بعض الشباب، حيث أصبح البعض يبحث عن النتائج السريعة بدلًا من بناء المستقبل خطوة بخطوة. ويضيف أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل صورة غير واقعية عن الثراء، فالكثير من المحتوى يركز على لحظة النجاح ولا يعرض سنوات التعب أو حجم المخاطر التي سبقتها. ويرى الخبراء أن الحل لا يبدأ بالمنع فقط، بل ببناء وعي لدى الشباب حول إدارة المال، وتعليمهم أن النجاح الحقيقي يحتاج إلى مهارة وجهد وتخطيط، وليس إلى انتظار ضربة حظ قد تأتي مرة ولا تتكرر. الخسارة لا تتوقف عند الأموال.. عندما تتحول اللعبة إلى أزمة نفسية واجتماعية يعتقد البعض أن الخطر الوحيد للمراهنات الإلكترونية هو فقدان الأموال، لكن الحقيقة أن التأثيرات قد تمتد إلى جوانب أخرى أكثر تعقيدًا، فالمشكلة تبدأ مالية لكنها قد تتحول مع الوقت إلى أزمة نفسية واجتماعية تؤثر على حياة الشخص وعلاقاته بمن حوله. فعندما يخسر الإنسان أمواله، قد يدخل في حالة من الضغط والرغبة في التعويض، ويبدأ في التفكير بأن المحاولة القادمة ستعيد له ما فقده، هذه الفكرة تحديدًا هي التي تجعل بعض الأشخاص يستمرون في المشاركة رغم إدراكهم للخسائر. ويشير متخصصون في الصحة النفسية إلى أن تكرار هذا السلوك قد يؤدي إلى حالة من التوتر المستمر، خاصة عندما يحاول الشخص إخفاء حجم المشكلة عن أسرته أو أصدقائه، وقد تظهر تغيرات في سلوكه اليومي، مثل الانشغال الدائم بالهاتف، أو القلق، أو فقدان التركيز في الدراسة والعمل. وتقول الدكتورة منى حمدي، أخصائية الصحة النفسية: إن أخطر ما في هذه الظاهرة هو انتقال الإنسان من مرحلة الاختيار إلى مرحلة فقدان السيطرة، حيث يصبح التفكير الأساسي منصبًا على كيفية استعادة الأموال وليس على حجم الخطر. وتضيف أن الأسرة تلعب دورًا مهمًا في اكتشاف المشكلة مبكرًا، فالتغيرات المفاجئة في السلوك أو ظهور مشكلات مالية غير مبررة يجب أن تكون إشارات تستحق الانتباه والحوار. ولا تقتصر الخسائر على الفرد فقط، بل قد تمتد إلى الأسرة، خاصة إذا ترتب على الأمر ديون أو خلافات أو فقدان الثقة، لذلك فإن التعامل مع المراهنات الإلكترونية باعتبارها مجرد لعبة قد يكون تقليلًا من حجم المشكلة، فهي في بعض الحالات قد تتحول إلى أزمة تحتاج إلى وعي وتدخل. الإعلانات الرقمية.. كيف تصنع المراهنات صورة وهمية عن المكسب السهل؟ تلعب الدعاية الرقمية دورًا كبيرًا في انتشار المراهنات الإلكترونية، حيث تعتمد بعض الحملات الترويجية على جذب المستخدم من خلال تقديم صورة جذابة عن المكاسب، والتركيز على قصص النجاح، بينما لا تعرض دائمًا الوجه الآخر المتمثل في احتمالات الخسارة. وتستخدم المنصات الرقمية أدوات متطورة للوصول إلى المستخدمين، فالإعلانات تظهر بناءً على الاهتمامات وعمليات البحث، وهو ما يجعل بعض الأشخاص يشعرون بأن هذه الفرص موجهة إليهم بشكل خاص. ويحذر خبراء الإعلام الرقمي من خطورة الرسائل التي تقدم الثراء السريع باعتباره أمرًا سهلًا، لأنها تؤثر بشكل خاص على الفئات الصغيرة سنًا أو الأشخاص الذين يبحثون عن حلول سريعة لمشكلاتهم المالية. ويقول الدكتور خالد فوزي، خبير الإعلام الرقمي: إن المشكلة ليست في وجود التكنولوجيا، وإنما في استخدامها لتقديم صورة غير مكتملة عن المخاطر. ويضيف أن المستخدم يحتاج إلى امتلاك مهارة التفكير النقدي، وألا ينجرف خلف أي محتوى يَعِد بنتائج مضمونة، لأن العالم الرقمي مليء بالإعلانات التي تعتمد على التأثير النفسي أكثر من تقديم معلومات حقيقية. كما أن دور الأسرة والمدرسة والإعلام أصبح أكثر أهمية في ظل الانتشار الواسع لهذه الظواهر، لأن المواجهة لا تكون فقط بعد وقوع المشكلة، بل تبدأ من التوعية قبل أن يصبح الشخص جزءًا من دائرة الخسائر.   القانون في مواجهة المراهنات الإلكترونية.. تحدٍ جديد في عصر التكنولوجيا مع الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، أصبحت مواجهة الأنشطة الإلكترونية المخالفة تمثل تحديًا جديدًا أمام الجهات القانونية والرقابية، فالعالم الرقمي لا يعرف الحدود التقليدية، والمنصات قد تعمل من خارج نطاق الدولة، بينما يصل تأثيرها إلى المستخدمين في مختلف الأماكن. ويؤكد خبراء القانون أن التعامل مع المراهنات الإلكترونية لا يقتصر فقط على الجانب الجنائي، بل يمتد إلى جوانب أخرى مرتبطة بحماية المستهلك، ومكافحة الاستغلال المالي، والحفاظ على الفئات الأكثر عرضة للتأثر بهذه الأنشطة. ويقول المستشار خالد فوزي، الخبير القانوني: إن التطور التكنولوجي يفرض ضرورة تطوير أدوات المواجهة القانونية، لأن الجرائم المرتبطة بالإنترنت تختلف عن الجرائم التقليدية من حيث سرعة الانتشار وصعوبة تحديد المسؤوليات في بعض الحالات. ويضيف أن الوعي القانوني لدى المستخدم يمثل عنصرًا مهمًا، فالكثير من الأشخاص قد يدخلون إلى بعض المنصات دون إدراك كامل لطبيعة المخاطر أو العواقب المترتبة على التعامل معها. كما يشير إلى أن مواجهة الظاهرة لا تعتمد فقط على العقوبات، لأن القانون يأتي غالبًا بعد حدوث المشكلة، بينما تظل الوقاية والتوعية هما الوسيلة الأكثر تأثيرًا في تقليل أعداد المتورطين. ويرى خبراء أن التعاون بين المؤسسات المختلفة أصبح أمرًا ضروريًا، فالتكنولوجيا تتحرك بسرعة كبيرة، وهو ما يتطلب تحديثًا مستمرًا للآليات الرقابية، ورفع مستوى الوعي لدى المستخدمين، خاصة الشباب الذين يمثلون النسبة الأكبر من مستخدمي الإنترنت. دور الأسرة والمؤسسات التعليمية.. حماية الشباب تبدأ قبل الوقوع في الفخ لا يمكن مواجهة ظاهرة المراهنات الإلكترونية من خلال الإجراءات القانونية فقط، لأن الجزء الأكبر من المعركة يتعلق بالوعي والسلوك، وهنا يظهر دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول أمام أي سلوك قد يؤثر على مستقبل الأبناء. فالأسرة التي تفتح باب الحوار مع أبنائها تكون أكثر قدرة على اكتشاف أي تغيرات في السلوك، مثل الانشغال المفرط بالهاتف، أو الحديث المستمر عن تحقيق أرباح سريعة، أو ظهور طلبات مالية غير مبررة. ويؤكد متخصصون في التربية أن أسلوب التعامل مع الأبناء يجب ألا يعتمد على المنع فقط، لأن المنع دون تفسير قد يدفع البعض إلى إخفاء السلوك بدلًا من التخلي عنه. والأفضل هو بناء وعي حقيقي يجعل الشاب قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح بنفسه. كما تلعب المؤسسات التعليمية دورًا مهمًا من خلال نشر الثقافة المالية والرقمية، وتعليم الطلاب الفرق بين الفرص الحقيقية والمخاطر التي تقدم في صورة مكاسب سهلة. ويقول الدكتور محمود عبد الرحمن، أستاذ علم الاجتماع: إن المجتمع يحتاج إلى تغيير فكرة منتشرة لدى البعض بأن النجاح يمكن اختصاره في مكسب مفاجئ، مؤكدًا أن بناء المستقبل يعتمد على المعرفة والعمل والتخطيط. ويضيف أن توعية الشباب بمخاطر هذه الألعاب يجب أن تكون جزءًا من الثقافة العامة، مثل التوعية بمخاطر الإدمان أو السلوكيات الخطرة، لأن الوقاية دائمًا أقل تكلفة من علاج النتائج.  

محمود أبو السعود أغسطس ٥, ٢٠٢٦ 0
«جامعة حلوان الأهلية وهيئة قضايا الدولة توسعان التعاون لتأهيل جيل جديد من القانونيين»

في إطار توجهها نحو تعزيز التعليم التطبيقي وإعداد كوادر قانونية مؤهلة لسوق العمل، كثفت جامعة حلوان الأهلية تعاونها مع هيئة قضايا الدولة، من خلال فتح آفاق جديدة للتدريب العملي أمام طلاب كلية الحقوق، بما يسهم في ربط الدراسة الأكاديمية بالواقع المهني داخل المؤسسات القضائية. وجاءت هذه الخطوة خلال زيارة رسمية قامت بها الدكتورة أمل لطفي، عميدة كلية الحقوق بجامعة حلوان الأهلية، إلى مقر هيئة قضايا الدولة، حيث عقدت لقاءات لبحث آليات تطوير التعاون بين الجانبين، ووضع برامج تدريبية متخصصة تستهدف الارتقاء بالمستوى العلمي والمهني لطلاب برنامج الدراسات القانونية باللغة العربية. وأكدت عميدة الكلية أن الجامعة تتبنى استراتيجية تقوم على تخريج قانونيين يمتلكون المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية معًا، مشيرة إلى أن التعاون مع هيئة قضايا الدولة يمثل إضافة حقيقية للعملية التعليمية، لما توفره الهيئة من خبرات قضائية وقانونية تسهم في إعداد الطلاب وتأهيلهم لمتطلبات سوق العمل. وخلال الزيارة، شارك طلاب برنامج الدراسات القانونية باللغة العربية في فعاليات برنامج التحكيم الاستثماري الذي تنظمه هيئة قضايا الدولة، حيث أتيحت لهم فرصة الاطلاع على أحدث الممارسات المتعلقة بالتحكيم الدولي وتسوية منازعات الاستثمار، والتفاعل مع نخبة من المتخصصين، بما انعكس على تنمية خبراتهم العملية وتوسيع مداركهم القانونية. من جانبه، أشاد المستشار عبد الناصر أبو العزم، رئيس هيئة قضايا الدولة، بالدور الذي تقوم به كلية الحقوق في إعداد أجيال جديدة من القانونيين، مؤكدًا أن الشراكة بين الجامعات والهيئات القضائية تمثل ركيزة أساسية لبناء كوادر مؤهلة تمتلك أدوات العمل القانوني الحديثة، وقادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في المجال القضائي. كما أكد المستشار أحمد سعد، رئيس مركز الدراسات القضائية والتدريب والتعاون الدولي والثقافي بالهيئة، أن التدريب العملي أصبح عنصرًا لا غنى عنه في إعداد القانونيين، مشيرًا إلى حرص الهيئة على توسيع نطاق التعاون مع الجامعات، ودعم البرامج التي تسهم في صقل مهارات الطلاب وإكسابهم الخبرات التطبيقية. وأسفرت المباحثات عن الاتفاق على تنفيذ برنامج تدريبي متقدم لأوائل طلاب كلية الحقوق بجامعة حلوان الأهلية، إلى جانب أوائل طلاب كلية الحقوق بجامعة العاصمة، داخل مقر هيئة قضايا الدولة، يتضمن سلسلة من المحاضرات العلمية وورش العمل المتخصصة في التحكيم الدولي وتسوية منازعات الاستثمار، يقدمها عدد من مستشاري الهيئة، بهدف إعداد الطلاب للتعامل مع القضايا القانونية الحديثة وفق أحدث المعايير المهنية. وشهدت الزيارة حضور الدكتور عمرو عثمان، مدير وحدة المحكمة الصورية بكلية الحقوق، والدكتور ممدوح جميل، مدير وحدة نماذج المحاكاة، في تأكيد على اهتمام الكلية بتطوير منظومة التدريب العملي، وإتاحة الفرصة للطلاب لاكتساب الخبرات التي تعزز جاهزيتهم للممارسة القانونية. واختتمت الزيارة بتبادل الدروع التذكارية بين الجانبين، في مشهد عكس قوة العلاقات المؤسسية بين جامعة حلوان الأهلية وهيئة قضايا الدولة، والتوافق على مواصلة التعاون في تنفيذ برامج تدريبية وعلمية مشتركة، بما يدعم جودة التعليم القانوني، ويؤهل جيلاً جديدًا من القانونيين يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على خدمة منظومة العدالة بكفاءة.  

محمود أبو السعود أغسطس ٤, ٢٠٢٦ 0
«من منصة الوهم إلى قفص الاتهام.. تفاصيل سقوط القاضي المزيف الذي حوّل قاعات محكمة شمال القاهرة إلى مسرح للنصب»

لم يكن يملك سلطة قضائية، ولم يجلس يومًا على منصة لإصدار حكم، لكنه نجح في صناعة شخصية وهمية جعلته في نظر ضحاياه "مستشارًا" قادرًا على إنهاء القضايا وتحريك الإجراءات داخل أروقة العدالة، ارتدى وشاحًا قضائيًا، ودخل قاعات محكمة شمال القاهرة، وصوّر مقاطع فيديو ليصنع لنفسه صورة رجل القانون، قبل أن تنكشف واحدة من أكثر وقائع انتحال الصفة إثارة للجدل، ويسقط من منصة الوهم إلى قبضة العدالة. كشفت تحقيقات نيابة حوادث شرق القاهرة الكلية تفاصيل الواقعة، التي بدأت عندما قرر عاطل أن يستغل هيبة القضاء وثقة المواطنين في المؤسسة القضائية، لينتحل صفة مستشار داخل محكمة شمال القاهرة، مستعينًا بثلاثة من موظفي المحكمة، بهدف تسهيل دخوله إلى مبنى المحكمة وقاعات الجلسات، واستخدام هذا المكان كجزء من سيناريو الخداع الذي أعده للإيقاع بضحاياه. خطة الخداع.. وشاح مزيف وقاعات المحكمة شاهدًا على الوهم لم يعتمد المتهم على مجرد الادعاء بالكلام، بل سعى إلى صناعة صورة كاملة لشخصية قضائية وهمية، ووفقًا للتحقيقات، اعترف المتهم أمام النيابة بأنه دفع مبالغ مالية للموظفين الثلاثة المتورطين معه، مقابل مساعدته في دخول مبنى المحكمة بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، والوصول إلى قاعات الجلسات في أوقات تكون فيها خالية من العاملين والمتقاضين. وهناك، بدأ المتهم تنفيذ الجزء الأخطر من خطته، حيث ارتدى وشاحًا قضائيًا قام بتصنيعه ليشبه الوشاح الرسمي للقضاة، ثم التقط مقاطع فيديو داخل قاعات المحكمة، في محاولة لإظهار نفسه أمام الآخرين باعتباره أحد رجال القضاء. ولم تكن تلك الفيديوهات مجرد صور عابرة، لكنها تحولت إلى وسيلة أساسية في عملية الاحتيال؛ إذ كان يستخدمها لإقناع ضحاياه بأنه يمتلك نفوذًا حقيقيًا داخل منظومة العدالة، وأن بإمكانه التدخل لإنهاء القضايا أو تسهيل الإجراءات مقابل الحصول على مبالغ مالية. كيف سقط القاضي المزيف؟.. بلاغ على مواقع التواصل كشف الحقيقة رغم محاولات المتهم إخفاء جريمته، بدأت خيوط القضية في الظهور بعد انتشار مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي نشره أحد المواطنين، وجه خلاله استغاثة تحت عنوان "فيه قاضي نصب عليا"، متهمًا الشخص الذي ظهر أمامه بصفة قضائية زائفة بالاستيلاء على أمواله. الفيديو كان نقطة التحول في القضية، بعدما رصدته الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية، وبدأت عمليات الفحص والتحري للوصول إلى هوية الشخص الذي ظهر في المقطع، وكشف حقيقة صفته. وبعد جمع المعلومات وإجراء التحريات اللازمة، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد المتهم الرئيسي، وكذلك الموظفين الثلاثة الذين ساعدوه في دخول المحكمة وتصوير المقاطع، وتم ضبطهم وإحالتهم إلى النيابة العامة التي تولت التحقيق. اعترافات تكشف تفاصيل اللعبة أمام جهات التحقيق، أدلى المتهم الرئيسي باعترافات كشفت طريقة تنفيذه للجريمة، حيث أقر بأنه دفع أموالًا للموظفين الثلاثة مقابل تسهيل دخوله إلى المحكمة، واستغلال أماكنها الرسمية في تصوير مقاطع تمنحه مظهرًا زائفًا بالانتماء إلى الهيئة القضائية. وأوضح المتهم أنه كان يعتمد على تلك المقاطع في التواصل مع ضحاياه، وإرسالها لهم عبر تطبيقات المحادثات، حتى يكتسب ثقتهم ويقنعهم بأنه قادر على إنهاء مصالحهم وقضاياهم. وبذلك تحولت قاعات المحكمة، التي يفترض أن تكون رمزًا للعدالة وسيادة القانون، إلى خلفية استخدمها المتهم في بناء قصة وهمية، قبل أن تنهار أمام التحقيقات. أسئلة حول تأمين المحاكم واستغلال هيبة العدالة أثارت الواقعة حالة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب جريمة انتحال الصفة، ولكن بسبب التساؤلات التي فرضت نفسها حول كيفية تمكن شخص غير ذي صفة من دخول المحكمة والتصوير داخل قاعات الجلسات، واستخدام تلك المشاهد في خداع المواطنين. وأكد قانونيون أن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في حصول المتهم على أموال بطرق غير مشروعة، وإنما في محاولته المساس بصورة مؤسسة العدالة واستغلال ثقة المواطنين في القضاء لتحقيق أهدافه. وأشاروا إلى أن انتحال صفة أحد أعضاء الهيئات القضائية يمثل اعتداءً على هيبة الدولة، لأن القضاء يرتبط في وجدان المجتمع بالحق والعدل، وأي محاولة لاستخدام رموزه في عمليات الاحتيال تمثل جريمة بالغة الخطورة. نهاية الوهم.. العدالة تطارد من حاول تقليدها من داخل قاعات المحكمة التي استخدمها المتهم لصناعة صورته الوهمية، بدأت نهايته. فالفيديو الذي أراد به إثبات نفوذه أصبح الدليل الذي قاد إلى كشفه، والشخصية التي حاول تقديمها للمجتمع باعتباره رجل عدالة تحولت إلى سبب في سقوطه. وتبقى قضية "القاضي المزيف" نموذجًا واضحًا لكيف يمكن أن يستخدم المحتالون المظهر والرموز والثقة العامة في تنفيذ جرائمهم، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن مؤسسات الدولة قادرة على كشف مثل هذه المحاولات وملاحقة كل من يحاول العبث بهيبة العدالة أو استغلال اسمها لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

محمود أبو السعود أغسطس ٤, ٢٠٢٦ 0
على خطى الشهيد.. حمزة أحمد المنسي يتفوق في الدبلومة الأمريكية ويقترب من تحقيق حلم الكلية الحربية

هناك أسماء لا تتوقف عند حدود أصحابها، بل تتحول إلى قيمة وطنية تتوارثها الأجيال ومن بين تلك الأسماء يظل الشهيد البطل العقيد أركان حرب أحمد صابر المنسي حاضرًا في وجدان المصريين، رمزًا للشجاعة والإخلاص، بينما يواصل نجله حمزة أحمد المنسي كتابة فصل جديد من قصة العائلة، لكن هذه المرة بسلاح العلم والتفوق. وحقق حمزة أحمد المنسي تفوقًا متميزًا في امتحانات الدبلومة الأمريكية لعام 2026 بمدرسة الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ليقترب خطوة جديدة من تحقيق الحلم الذي طالما تمناه والده، وهو الالتحاق بالكلية الحربية، واستكمال مسيرة الدفاع عن الوطن. واستقبل الدكتور إسماعيل عبد الغفار إسماعيل فرج، رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، الطالب حمزة بمقر الأكاديمية في القرية الذكية، في لقاء حمل أبعادًا إنسانية ووطنية، تأكيدًا على الدور الذي تقوم به الأكاديمية في رعاية أبناء شهداء مصر، وتوفير البيئة التعليمية التي تساعدهم على تحقيق طموحاتهم. وخلال اللقاء، أعرب حمزة عن امتنانه العميق للدعم الذي وجده من رئيس الأكاديمية طوال سنوات الدراسة، مؤكدًا أنه كان بمثابة الأب والمرشد، ولم يتردد يومًا في تقديم الدعم العلمي والمعنوي، وهو ما ساهم في وصوله إلى هذا المستوى من التفوق. ومن جانبه، أعرب الدكتور إسماعيل عبد الغفار عن فخره بما حققه حمزة، مؤكدًا أن أبناء الشهداء يستحقون كل الدعم والرعاية، وأن الأكاديمية تعتبر احتضانهم واجبًا وطنيًا قبل أن يكون رسالة تعليمية. وقال رئيس الأكاديمية: "أنا فخور بك يا حمزة، فأنت خير خلف لخير سلف. بطولة والدك الشهيد أحمد المنسي ستظل خالدة في وجدان المصريين، والأكاديمية ستبقى دائمًا بيتك وسندك حتى تحقق حلمك بالالتحاق بالكلية الحربية، وتواصل مسيرة الشرف والعطاء." ويأتي هذا النجاح امتدادًا لقرار الأكاديمية، في وقت سابق، بمنح حمزة أحمد المنسي منحة دراسية كاملة بالمدرسة الدولية التابعة لها، إيمانًا منها بأن أبناء من ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن يستحقون أفضل فرص التعليم والرعاية. المنسي.. بطل رفض الانسحاب واختار الشهادة ويبقى الشهيد العقيد أركان حرب أحمد صابر المنسي واحدًا من أبرز رموز البطولة في تاريخ القوات المسلحة المصرية. ففي السابع من يوليو عام 2017، قاد رجال الكتيبة 103 صاعقة في ملحمة البرث بمدينة رفح، عندما تعرض الكمين لهجوم إرهابي واسع النطاق. ورغم ضراوة المعركة وكثافة النيران، رفض المنسي مغادرة موقعه، وأصر على البقاء في مقدمة رجاله، يقاتل حتى اللحظة الأخيرة، مقدمًا نموذجًا استثنائيًا في التضحية والإخلاص، قبل أن ينال الشهادة دفاعًا عن أرض الوطن. ولم تتوقف قصة المنسي عند يوم استشهاده، بل تحولت إلى رمز خالد للفداء والوطنية، وتناقلتها الأجيال باعتبارها واحدة من أنقى صور البطولة، فيما حرصت الدولة المصرية على تخليد اسمه في عدد من المنشآت والمؤسسات، إلى جانب الأعمال الدرامية والوثائقية التي وثقت سيرته وبطولاته. واليوم، يحمل حمزة أحمد المنسي جزءًا من هذه الرسالة، ليس فقط باعتباره نجل أحد أعظم أبطال مصر، وإنما كشاب اختار أن يصنع مستقبله بالاجتهاد والتفوق، واضعًا نصب عينيه السير على خطى والده، أملاً في أن يرتدي الزي العسكري ويواصل مسيرة بدأت بالبطولة، وتستكملها الأجيال بالإخلاص والانتماء للوطن.

محمود أبو السعود أغسطس ٤, ٢٠٢٦ 0
«الواسطة.. جريمة لا يعاقب عليها القانون ويدفع ثمنها الجميع»

يغادر شاب منزله في الصباح وهو يحمل بين يديه ملفًا يضم سنوات من الدراسة والتعب، يدخل مقابلة العمل بكل ثقة، يجيب عن الأسئلة، ويغادر وهو مقتنع بأن الكفاءة هي الفيصل، وبعد أيام قليلة، تأتيه الصدمة؛ الوظيفة ذهبت إلى شخص آخر، ليس لأنه كان الأكثر خبرة أو اجتهادًا، بل لأنه عرف الباب الذي لم يعرفه غيره. في تلك اللحظة لا يخسر هذا الشاب وظيفة فقط، بل يخسر جزءًا من ثقته في المجتمع، ويبدأ سؤال مؤلم في التسلل إلى داخله هل كان الاجتهاد يستحق كل هذا العناء؟ هذه ليست حكاية شخص واحد، بل قصة تتكرر في صور مختلفة داخل مجتمع يدفع ثمن الواسطة كل يوم، فقد يجدها المواطن في وظيفة، أو في خدمة حكومية، أو في ترقية، أو في إنهاء إجراء، أو حتى في الحصول على فرصة كان من المفترض أن تكون متاحة للجميع وفقًا لمعيار واحد هو الاستحقاق. ورغم أن الدولة خلال السنوات الأخيرة اتخذت خطوات واسعة لتعزيز الشفافية والرقمنة وإرساء قواعد واضحة في العديد من الخدمات والمسابقات، فإن أي ممارسات قائمة على الواسطة أينما وجدت تظل عائقًا أمام ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتؤثر سلبًا في ثقة المواطنين. الواسطة ليست مجرد مكالمة هاتفية أو معرفة شخصية، بل هي ثقافة قادرة على تغيير مصير أشخاص، وقد تكون سببًا في ضياع حلم شاب، أو إحباط موظف، أو تأخير حق مواطن، بينما لا يترك ذلك أي أثر في دفاتر القوانين، لكنه يترك أثرًا بالغًا في نفوس الناس. ويرى متخصصون في علم النفس أن أخطر ما تتركه الواسطة ليس فقدان الفرصة نفسها، وإنما الإحساس بالظلم. فالإنسان الذي يبذل أقصى جهده ثم يكتشف أن النتيجة حُسمت مسبقًا لصالح شخص آخر بسبب العلاقات الشخصية، يصبح أكثر عرضة لفقدان الحافز، وتراجع ثقته في قيمة الاجتهاد والعمل. ويؤكد المتخصصون أن تكرار هذا الشعور قد يقود إلى الإحباط، وربما إلى العزوف عن المنافسة أو البحث عن فرص خارج البلاد، بعدما يترسخ لدى البعض اعتقاد بأن النجاح لا يعتمد دائمًا على الكفاءة، بل على من يعرفه الإنسان. ولا تتوقف الخسارة عند الفرد، فالمجتمع كله يدفع الثمن، لأن الشباب عندما يفقدون إيمانهم بأن الجهد يقود إلى النجاح، تتراجع الرغبة في التطوير والإبداع، ويحل اليأس محل الطموح. ومن زاوية علم الاجتماع، يؤكد باحثون أن الواسطة أخطر من كونها تصرفًا فرديًا، لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة اجتماعية إذا اعتاد الناس عليها أو برروها. وعندما تصبح العلاقات الشخصية هي الطريق الأسرع للحصول على الحقوق، تتراجع قيمة القانون، ويضعف الشعور بالمساواة بين المواطنين. ويشير المتخصصون إلى أن أخطر نتائج هذه الثقافة أنها تهز ثقة المواطن في المؤسسات، وتخلق شعورًا بأن العدالة ليست واحدة للجميع، وهو ما يؤثر في الاستقرار الاجتماعي، ويضعف الانتماء، خاصة لدى الشباب الذين يبحثون عن بيئة تمنحهم الفرصة على أساس الكفاءة. ولا تقتصر آثار الواسطة على الوظائف فقط، بل تمتد إلى مجالات عديدة، فالمؤسسة التي تمنح الفرصة لمن لا يستحقها قد تخسر صاحب الكفاءة الحقيقي، والطالب الذي يرى غيره يحصل على ما لا يستحقه قد يفقد ثقته في قيمة التفوق، والموظف المجتهد الذي يشاهد الترقيات تمر من أمامه لأسباب لا علاقة لها بالأداء، قد يتحول مع الوقت إلى موظف يؤدي الحد الأدنى فقط. ويؤكد خبراء الإدارة العامة أن أي مؤسسة تنجح في بناء معايير واضحة وشفافة لاختيار الكفاءات تكون أكثر قدرة على التطور وتحسين جودة خدماتها، لأن الكفاءة ليست مصلحة فرد، بل هي مصلحة المؤسسة والمواطن الذي يتعامل معها. فالواسطة لا تظلم شخصًا واحدًا فقط، وإنما قد تؤدي إلى وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، فتتراجع جودة الخدمة، ويدفع المواطن الثمن في النهاية. وربما لهذا السبب اتجهت مؤسسات عديدة خلال السنوات الأخيرة إلى الاعتماد على النظم الإلكترونية، والإعلان عن شروط واضحة للمسابقات والخدمات، وتقليل التدخل البشري في بعض الإجراءات، بما يعزز الشفافية ويحد من أي ممارسات غير عادلة. لكن مواجهة الواسطة لا تبدأ من اللوائح وحدها، بل من تغيير الثقافة المجتمعية، فمن يطلب واسطة للحصول على ما لا يستحقه، قد يحرم شخصًا آخر من حقه، ومن يستخدم نفوذه لتجاوز القواعد، لا يخدم المجتمع، بل يضعف ثقته في العدالة. إن بناء مجتمع يقوم على تكافؤ الفرص لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإيمان الجميع بأن القانون يجب أن يُطبق على الجميع، وأن الكفاءة هي الطريق الطبيعي للنجاح، وأن العلاقات الشخصية لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الاستحقاق. وفي النهاية، قد تبدو الواسطة للبعض وسيلة سهلة لإنجاز مصلحة، لكنها في حقيقتها تترك خسائر لا تُقاس بالأرقام، فهي تقتل حلمًا، وتحبط موهبة، وتؤخر مستحقًا، وتزرع الشك في نفوس من اجتهدوا وانتظروا أن تكون المنافسة عادلة. إن الأمم لا تُبنى بالمجاملات، بل بالكفاءات. ولا تنهض بالمحاباة، بل بالمساواة، وعندما يطمئن كل مواطن إلى أن حقه لن يسبقه إليه إلا من هو أكفأ منه، يصبح الاجتهاد قيمة حقيقية، وتتحول العدالة من شعار يُردد إلى واقع يعيشه الجميع.

محمود أبو السعود أغسطس ٣, ٢٠٢٦ 0
«الزلزال يوقظ الخطر الصامت».. عقارات مائلة وأرواح معلقة بين الترميم والانهيار

هناك زلازل تنتهي في ثوانٍ، وزلازل أخرى تستمر آثارها لسنوات، وما شهدته مصر لم يكن مجرد اهتزاز للأرض، بل كان جرس إنذار مدويًا كشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الهزة، وإنما في آلاف المباني القديمة والعقارات المائلة التي تعيش فوقها أسر كاملة وهي لا تعلم إن كانت ستستيقظ في صباح اليوم التالي أم ستصبح أرقامًا جديدة في قوائم الضحايا. فالطبيعة لا يمكن التحكم فيها، لكن الإهمال يمكن منعه، والكارثة لا تبدأ عندما تهتز الأرض، بل عندما ينهار مبنى كان الجميع يعلم أنه يمثل خطرًا، ولم يتحرك أحد لإنقاذ من بداخله، ولهذا فإن الزلزال الأخير يجب ألا يمر باعتباره خبرًا عابرًا، وإنما بداية لمراجعة شاملة لسلامة الثروة العقارية في مصر، قبل أن تدفع الدولة والمواطنون ثمن التأخير. الزلزال يفتح ملف العقارات القديمة.. الخطر الذي يسكن بين الجدران مع كل هزة أرضية تعود المخاوف من جديد حول حالة المباني القديمة والعقارات المائلة والآيلة للسقوط، خاصة تلك التي تعاني من تصدعات واضحة أو صدرت بشأنها قرارات إزالة أو ترميم ولم تدخل حيز التنفيذ. فالمشكلة لا تكمن في الزلزال وحده، وإنما في المباني التي فقدت قدرتها على التحمل بسبب مرور عشرات السنوات دون صيانة، أو بسبب مخالفات إنشائية وزيادة أحمال وإضافة طوابق دون دراسات هندسية. ويؤكد خبراء الهندسة الإنشائية أن الزلازل لا تتسبب وحدها في انهيار العقارات، وإنما تكشف نقاط الضعف الموجودة بالفعل داخل المبنى، فالعقار المصمم وفق المعايير الهندسية يستطيع تحمل الهزات بدرجات متفاوتة، بينما يصبح المبنى المتهالك أو المخالف أكثر عرضة للخطر. أرقام تكشف حجم الأزمة لا يتوقف ملف العقارات الخطرة عند المشاهد التي نراها عقب الانهيارات، فالأرقام تكشف حجم التحدي. ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، توجد عشرات الآلاف من المباني التي تحتاج إلى الهدم أو الترميم، بينها عقارات مصنفة كغير قابلة للترميم وتحتاج إلى الإزالة، بالإضافة إلى ملايين المباني التي تحتاج إلى أعمال صيانة بدرجات مختلفة. وتشير تقديرات ودراسات متخصصة إلى أن انتشار العقارات القديمة، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، يمثل تحديًا كبيرًا أمام أجهزة الدولة، لأن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى حصر دقيق، وأولويات واضحة، وموارد مالية كبيرة. زلزال 1992.. التجربة التي كشفت الحقيقة يبقى زلزال 12 أكتوبر 1992 أحد أهم الدروس في تاريخ مصر الحديث، بعدما ضرب مناطق واسعة وشعر به الملايين، وكشف حجم التأثير الذي يمكن أن تسببه الهزات الأرضية عندما تتزامن مع ضعف بعض المباني. بلغت قوة الزلزال نحو 5.9 درجة على مقياس ريختر، وأسفر عن سقوط مئات الضحايا وإصابة الآلاف، إضافة إلى تضرر آلاف المباني. وكانت الرسالة الأهم التي خرجت بها الدولة والمجتمع أن سلامة المبنى وجودة التنفيذ والصيانة عوامل لا تقل أهمية عن قوة الزلزال نفسه. وبعد تلك التجربة، جرى تطوير اشتراطات البناء وإدخال معايير لمقاومة الزلازل في المباني الحديثة، لكن بقي التحدي الأكبر في العقارات القديمة التي شُيدت قبل هذه الاشتراطات، والتي ما زال يسكنها ملايين المواطنين. انهيارات العقارات.. مشاهد تتكرر والسبب واحد على مدار السنوات الماضية شهدت مصر عددًا من حوادث انهيار العقارات التي خلفت ضحايا وخسائر كبيرة، وكان العامل المشترك في كثير منها وجود مخالفات إنشائية أو إهمال في الصيانة أو تجاهل لتحذيرات سابقة بشأن خطورة المبنى. من انهيارات العقارات القديمة في الإسكندرية والقاهرة، إلى وقائع أخرى في عدد من المحافظات، تكررت نفس التفاصيل: مبنى ظهرت عليه علامات الخطر، وشكاوى من السكان، وقرارات تحتاج إلى تنفيذ، ثم تأتي اللحظة التي يتحول فيها التحذير إلى مأساة. هذه الحوادث تؤكد أن التعامل مع العقارات المهددة لا يجب أن يبدأ بعد الانهيار، بل قبل ذلك بوقت كافٍ، من خلال الفحص المستمر واتخاذ الإجراءات الوقائية. لجان هندسية عاجلة لفحص العقارات المائلة والآيلة للسقوط الزلزال الأخير يعيد طرح ضرورة تشكيل لجان هندسية دائمة في جميع المحافظات، تضم متخصصين من المحليات ونقابة المهندسين وكليات الهندسة والحماية المدنية، مهمتها فحص العقارات المائلة والآيلة للسقوط، وتحديد درجة الخطورة، ووضع حلول عاجلة لكل حالة. كما يجب إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للعقارات الخطرة، تتضمن حالتها الإنشائية، وقرارات الترميم أو الإزالة الصادرة بشأنها، وما تم تنفيذه منها، حتى لا تبقى الملفات داخل الأدراج حتى وقوع الكارثة. ويرى خبراء أن الكشف المبكر عن مشكلات المباني أقل تكلفة بكثير من التعامل مع آثار الانهيارات، سواء من الناحية الإنسانية أو الاقتصادية. الإعلام والوعي.. خط الدفاع الأول كما كشفت الهزة الأخيرة أهمية مواجهة الشائعات، فقد انتشرت خلال الساعات الأولى أخبار غير دقيقة تسببت في زيادة حالة القلق بين المواطنين. وهنا يأتي دور الإعلام المسؤول في تقديم المعلومات الصحيحة، ونشر ثقافة التعامل مع الزلازل، وتعريف المواطنين بعلامات الخطورة داخل المباني، مثل الشروخ الإنشائية الكبيرة أو الميل الواضح أو تغيرات الأساسات. الزلزال انتهى.. لكن ملف العقارات لا يحتمل التأجيل قد تهدأ الأرض بعد الزلزال، لكن ملفات الخطر تبقى مفتوحة. فالمباني المائلة والآيلة للسقوط لا تنتظر هزة جديدة حتى تصبح خطرًا، وإنما تحتاج إلى تحرك مبكر يحمي الأرواح قبل أن تتحول التحذيرات إلى ضحايا. فالدرس الأكبر من زلزال 1992 ومن حوادث انهيار العقارات التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية هو أن الكارثة لا تبدأ لحظة الانهيار، بل تبدأ عندما نرى الخطر ونتأخر في مواجهته. ولهذا فإن فحص العقارات القديمة، وتنفيذ قرارات الإزالة والترميم، وتشكيل لجان هندسية متخصصة، ليست إجراءات احترازية فقط، بل هي مسؤولية لحماية حياة المواطنين ومنع مأساة جديدة قبل وقوعها.

محمود أبو السعود أغسطس ٣, ٢٠٢٦ 0
«قبل أن ينقذوه.. أخرجوا هواتفهم.. كيف انتصرت الكاميرا على إنسانية المجتمع؟»

  لم يعد المشهد غريبًا كما كان قبل سنوات، تقع مشاجرة في أحد الشوارع، ويشهر أحد أطرافها سلاحًا أبيض، بينما يقف العشرات في دائرة واسعة لا يتقدمون خطوة واحدة، لا يصرخ أحد لفض الاشتباك، ولا يحاول كثيرون حماية الضحية أو إبعاد الأطفال، وإنما تتجه الأيدي سريعًا إلى الهواتف المحمولة، يبدأ التصوير قبل أن يبدأ التفكير في إنقاذ إنسان قد يفقد حياته بعد لحظات. وفي حادث سير مروع، أو حريق يلتهم منزلًا، أو اعتداء دموي في وضح النهار، يتكرر المشهد نفسه؛ عشرات الكاميرات تعمل في وقت واحد، بينما تتأخر يد واحدة تمتد للمساعدة، وكأن المجتمع دخل مرحلة جديدة أصبح فيها توثيق المأساة أهم من محاولة منعها، وأصبح الحصول على مقطع فيديو يحقق آلاف المشاهدات أكثر أهمية عند البعض من إنقاذ روح قد لا تتكرر لها فرصة الحياة. لم تعد مشاهد القتل والبلطجة والاعتداءات الصادمة تنتقل إلينا عبر كاميرات المراقبة فقط، بل عبر هواتف مواطنين كانوا قادرين ولو بالصراخ أو طلب النجدة أو الاتصال بالإسعاف أو محاولة تشتيت المعتدي على أن يكونوا جزءًا من الحل، لكنهم اختاروا أن يكونوا مجرد مصورين للمشهد. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: متى تحول الإنسان من منقذ إلى متفرج؟ ومتى أصبحت الكاميرا أسرع من الضمير؟ ليست المشكلة في التصوير نفسه، فتوثيق الوقائع قد يكون أحيانًا ضرورة لكشف الحقيقة أو إثبات الجريمة، لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الهاتف إلى بديل عن الواجب الإنساني، وعندما تصبح المشاهدات والإعجابات أهم من حياة إنسان ينزف أمام أعين الجميع. لقد فرضت مواقع التواصل الاجتماعي ثقافة جديدة، جعلت البعض يرى في كل حادث فرصة لصناعة محتوى، وفي كل مأساة مادة قابلة للنشر. ومع مرور الوقت، تغيرت ردود الأفعال؛ فأصبح السؤال الأول: "هل صورت؟" بدلًا من "هل أنقذته؟". والأخطر أن هذا السلوك لم يعد يقتصر على الكبار، بل انتقل إلى الأجيال الأصغر التي نشأت وهي ترى أن قيمة الحدث تقاس بعدد مرات المشاهدة، لا بحجم الألم الذي يتركه خلفه. في كثير من وقائع القتل أو الاعتداءات، يظهر في الفيديو أشخاص يقفون على بعد خطوات قليلة من الضحية، يراقبون المشهد من خلف شاشات هواتفهم، وربما لو بادر عدد منهم بالصراخ، أو طلب الشرطة، أو استدعاء الإسعاف، أو التدخل الجماعي إذا كان ذلك آمنًا، لتغيرت النهاية في بعض الحالات، صحيح أن التدخل المباشر ليس ممكنًا دائمًا، خاصة إذا كان المعتدي مسلحًا، لكن الاكتفاء بالتصوير وحده لا ينبغي أن يكون هو رد الفعل الوحيد. علم النفس يفسر جزءًا من هذه الظاهرة بما يسمى "تأثير المتفرج"؛ فكلما زاد عدد الحاضرين، شعر كل فرد أن غيره سيتحمل المسؤولية. لكن التكنولوجيا أضافت بُعدًا أكثر خطورة، إذ منحت البعض دورًا جديدًا أن يكون "صانع محتوى" بدلًا من صانع نجدة، وهكذا تحولت الكاميرا من وسيلة توثيق إلى وسيلة مشاركة سلبية في الحدث. ولا تقتصر الخسارة على الضحية وحده، بل تمتد إلى المجتمع كله. فحين يشاهد الأطفال والناشئة هذه المقاطع يومًا بعد يوم، ويلاحظون أن الناس يصورون أكثر مما يساعدون، فإنهم يتعلمون دون قصد أن المشاهدة تكفي، وأن دور الإنسان قد ينتهي عند الضغط على زر التسجيل. كما أن نشر مقاطع الضحايا دون مراعاة لكرامتهم يترك آثارًا نفسية قاسية على أسرهم. فكم من أم رأت ابنها مصابًا عبر شاشة هاتف قبل أن يصلها الخبر؟ وكم من أب اضطر لمشاهدة لحظات الاعتداء على ابنه تتداولها الصفحات قبل أن يودعه للمرة الأخيرة؟ إنها جراح لا تلتئم بسهولة، لأن الألم يتجدد مع كل إعادة نشر. ولا يعني ذلك أن التصوير يجب أن يتوقف في كل الأحوال. فهناك مواقف يكون فيها توثيق الجريمة وسيلة مهمة لمحاسبة الجناة وإثبات الحقيقة، لكن الفارق كبير بين شخص يصور بعد أن يتأكد من إبلاغ الشرطة أو الإسعاف، وبين آخر يكتفي بالتصوير ويغادر المكان وكأنه أدى واجبه. إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يمتلكه من تكنولوجيا، وإنما بما يحتفظ به من قيم وإذا فقد الإنسان إحساسه بالمسؤولية تجاه من يتألم أمامه، فلن تعوضه ملايين المقاطع المنتشرة على الإنترنت. وربما آن الأوان لإعادة تعريف البطولة. فالبطل الحقيقي ليس من التقط أوضح فيديو، ولا من حصل على أعلى نسبة مشاهدة، وإنما من اتصل بالإسعاف في اللحظة المناسبة، أو استدعى الشرطة، أو أبعد الناس عن الخطر، أو قدم الإسعافات الأولية إن كان قادرًا، أو ساهم في إنقاذ حياة إنسان. فالهواتف ستتغير، ومنصات التواصل ستتبدل، لكن موقفًا إنسانيًا واحدًا قد يبقى محفورًا في ذاكرة أسرة كاملة وقد لا يتذكر أحد بعد سنوات من نشر أول مقطع فيديو لحادثة مأساوية، لكن الجميع سيتذكر الشخص الذي مد يده لينقذ حياة إنسان. لأن الإنسانية لا تُقاس بعدد المقاطع التي نوثقها، بل بعدد الأرواح التي نحاول إنقاذها وعندما تسبق الكاميرا الرحمة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من صوّر؟ بل: من حاول أن يمنع المأساة؟

محمود أبو السعود أغسطس ٣, ٢٠٢٦ 0
«تذكرة بلا عودة.. شباب يطاردون الحلم فوق أمواج لا ترحم»

في كل مرة يبتلع فيها البحر حلم شاب، لا تكون الحكاية مجرد خبر عابر عن رحلة هجرة غير شرعية انتهت بالفشل، وإنما قصة إنسان كان يبحث عن فرصة، وأسرة علقت آمالها على مستقبل مختلف، وقرية تنتظر عودة أحد أبنائها من طريق اختاره بحثًا عن حياة أفضل. خلف كل قارب يغادر بعيدًا عن أعين الجميع، توجد حكايات لا تظهر في العناوين؛ شاب أنهى تعليمه ولم يجد فرصة مناسبة، وآخر يحمل مسؤولية أسرة كاملة، وثالث يرى أن السنوات تمر دون أن يحقق ما كان يحلم به. البحر بالنسبة لهؤلاء لا يكون مجرد مياه تفصل بين مكانين، بل يتحول في أذهانهم إلى بوابة للخروج من واقع صعب، وطريق مختصر نحو حياة يتصورون أنها ستكون أكثر رحابة. لكن الطريق الذي يبدأ بحلم كبير قد يحمل مخاطر لا يدركها الكثيرون إلا بعد فوات الأوان. الهجرة غير الشرعية ليست مجرد قرار فردي يتخذه شاب في لحظة، وإنما ظاهرة معقدة تقف خلفها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، تبدأ من البحث عن فرصة، وقد تنتهي أحيانًا بمأساة تترك خلفها أسرًا تحمل وجع الانتظار. حلم يبدأ بكلمة.. وينتهي أحيانًا بثمن باهظ في كثير من الحالات تبدأ الفكرة من حكاية يسمعها شاب عن شخص سافر ووصل، أو قريب عاد بأموال غيّرت شكل حياته، أو صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر الجانب المضيء فقط من حياة المهاجرين. تتكون لدى البعض صورة غير مكتملة عن الخارج؛ فيرون فرص العمل والرواتب المختلفة، لكنهم لا يرون المعاناة اليومية، ولا صعوبة البداية، ولا الظروف القاسية التي قد يواجهها من يسلك طريقًا غير قانوني. ومع مرور الوقت تتحول الفكرة إلى حلم، ثم إلى قرار، وقد تتحول الأسرة نفسها إلى شريك في هذا القرار، عندما ترى أن سفر الابن قد يكون فرصة لإنقاذ مستقبلها الاقتصادي. بعض الأسر قد تضع مدخراتها أو تبيع جزءًا من ممتلكاتها لتوفير تكلفة الرحلة، ليس حبًا في المخاطرة، وإنما بسبب اعتقاد بأن هذه الخطوة قد تغير حياة ابنها بالكامل. لكن المشكلة أن الطريق غير القانوني لا يقدم ضمانات، بل يضع الإنسان في مواجهة مخاطر كبيرة، تبدأ من لحظة الرحلة نفسها، وتمتد إلى ما بعد الوصول إذا تمكن من ذلك. تجارة الوهم.. عندما تتحول أحلام الشباب إلى مصدر للربح أحد أخطر جوانب الظاهرة هو استغلال بعض الأشخاص لحاجة الشباب ورغبتهم في تحسين حياتهم. فوسط البحث عن فرصة، يظهر من يقدم وعودًا عن الوصول السريع والعمل المضمون والحياة المستقرة، بينما يخفي الكثير من التفاصيل التي قد تجعل الشاب يعيد التفكير في القرار. وتتحول أحلام الشباب أحيانًا إلى تجارة يدفع ثمنها من يبحث عن الأمل، حيث يجد نفسه أمام رحلة لا يعرف تفاصيلها، ولا يملك السيطرة على ظروفها، وقد يفقد أمواله قبل أن يبدأ الطريق. المشكلة ليست في حلم السفر ذاته، فالسفر بحثًا عن فرصة أفضل حق مشروع، وإنما في الطرق التي تعرض حياة الإنسان للخطر، وتجعله تحت رحمة أشخاص لا يهتمون إلا بالمكسب. بين البطالة وطموح الشباب.. لماذا لا ينتظر البعض؟ السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: لماذا يختار بعض الشباب الطريق الأصعب رغم معرفتهم بالمخاطر؟ الإجابة ليست سببًا واحدًا، فهناك من يبحث عن دخل أكبر، وهناك من يشعر بأن سنوات الدراسة لم تفتح له الباب الذي انتظره، وهناك من يرى أن بناء المستقبل يحتاج إلى فرصة لا يجدها بسهولة. كما أن ضغط المقارنة أصبح عاملًا مؤثرًا؛ فالشاب يشاهد نماذج نجاح سريعة عبر الإنترنت، وقد يشعر أن الوقت يمر وأن عليه اتخاذ خطوة كبيرة حتى لا يبقى مكانه. لكن الواقع يؤكد أن النجاح لا يرتبط بمكان فقط، وأن كثيرًا ممن سافروا بطرق غير قانونية واجهوا تحديات صعبة، سواء في العمل أو السكن أو التعامل مع قوانين الدول التي وصلوا إليها. فالمشكلة ليست دائمًا في الوصول إلى بلد آخر، وإنما في الطريقة التي يتم بها الوصول، وفي غياب التخطيط الحقيقي للمستقبل. الأسر التي تنتظر خلف الباب أكثر من يدفع ثمن الهجرة غير الشرعية هم الذين يبقون خلف المسافر. أم تنتظر اتصالًا يطمئنها، وأب يحاول إخفاء قلقه، وأسرة لا تعرف هل تحتفل بتحقيق الحلم أم تخاف من نهاية الرحلة. فخلف كل محاولة سفر قصة عائلية كاملة؛ هناك أحلام مرتبطة بشخص واحد، وهناك مستقبل أسرة ربما تغير بسبب قرار واحد. ولهذا فإن التعامل مع الظاهرة يحتاج إلى النظر إلى الإنسان قبل الرقم، وإلى القصة قبل الخبر، لأن القضية في النهاية ليست مجرد أعداد، وإنما أرواح ومستقبل شباب. المواجهة الحقيقية تبدأ من صناعة الأمل لا يمكن مواجهة الهجرة غير الشرعية فقط بالتحذير من مخاطرها، لأن حلم تحسين الحياة سيظل موجودًا لدى الشباب. المواجهة الحقيقية تبدأ عندما يجد الشاب طريقًا آخر؛ فرصة تدريب، أو مشروعًا صغيرًا، أو عملًا يوفر له بداية مستقرة، أو مسارًا قانونيًا للسفر إذا توفرت الفرصة. فالشاب الذي يرى أمامه بابًا مفتوحًا لن يغامر بسهولة بالذهاب إلى طريق مجهول، ولن يضع حياته في يد من يتاجر بأحلامه. وفي النهاية، تبقى الهجرة غير الشرعية قصة أكبر من قارب وبحر، إنها قصة بحث عن فرصة، وصراع بين الحلم والواقع، ورسالة تؤكد أن حماية الشباب لا تكون فقط بمنع الخطر، بل بصناعة مستقبل يجعلهم لا يفكرون في الهروب منه.

محمود أبو السعود أغسطس ٣, ٢٠٢٦ 0
«التعليم ليس بالمجان.. الفاتورة الخفية التي تُرهق كل بيت»

مع اقتراب كل عام دراسي، تدخل آلاف الأسر المصرية في سباق من نوع مختلف، لا يتعلق بالبحث عن المدرسة المناسبة أو تجهيز الأبناء نفسيًا لاستقبال الدراسة، وإنما بكيفية تدبير النفقات التي أصبحت تصاحب العملية التعليمية من بدايتها وحتى نهايتها. فبين المصروفات الدراسية، والزي المدرسي، والكتب والأدوات، ووسائل الانتقال، والدروس الخصوصية أو المراجعات، يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم أمام ميزانية استثنائية قد تمتد آثارها إلى بقية العام. ورغم أن التعليم يمثل حقًا أساسيًا وأحد أهم أدوات بناء الإنسان، فإن الواقع اليوم يكشف عن وجود تكلفة تتحملها الأسرة خارج المصروفات الرسمية، حتى أصبح العام الدراسي بالنسبة لكثيرين مشروعًا اقتصاديًا يحتاج إلى تخطيط مسبق، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. القضية لا تتعلق فقط بالأرقام، وإنما بالتغير الذي طرأ على شكل العملية التعليمية نفسها. فالأب لم يعد يكتفي بشراء حقيبة ودفاتر، والأم لم تعد تنتهي مهمتها عند تجهيز الزي المدرسي، بل ظهرت احتياجات جديدة فرضتها التطورات التعليمية والتكنولوجية، لتصبح الأسرة شريكًا أساسيًا في تحمل أعباء التعليم. رحلة المصروفات تبدأ قبل أول يوم دراسة بالنسبة لكثير من الأسر، يبدأ العام الدراسي قبل أن تفتح المدارس أبوابها بأسابيع. فهناك قائمة طويلة من الاحتياجات، تبدأ بالزي المدرسي والأحذية والحقائب والأدوات، ثم تمتد إلى الكراسات والكتب الخارجية وغيرها من المستلزمات التي تختلف من مرحلة تعليمية إلى أخرى. ولا تقف النفقات عند هذا الحد، فهناك أيضًا وسائل الانتقال اليومية، خاصة للأسر التي يدرس أبناؤها بعيدًا عن محل الإقامة، بالإضافة إلى الأنشطة المدرسية والرحلات وما يرتبط بها من مصروفات. ومع كل عام دراسي، تحاول الأسر تحقيق معادلة صعبة؛ توفير احتياجات الأبناء دون الإخلال ببقية التزاماتها المعيشية، وهو ما يدفع كثيرًا منها إلى إعادة ترتيب ميزانية المنزل وتأجيل بعض أوجه الإنفاق الأخرى. الدروس الخصوصية... عبء مستمر على ميزانية الأسرة رغم الجهود المبذولة لتطوير العملية التعليمية، ما زالت الدروس الخصوصية تمثل واقعًا حاضرًا لدى عدد من الأسر، سواء في صورة دروس تقليدية أو مجموعات مراجعة أو حصص عبر الإنترنت. ويرى كثير من أولياء الأمور أن الهدف من هذه الدروس هو مساعدة الأبناء على استيعاب المناهج أو الاستعداد للامتحانات، بينما يرى آخرون أنها أصبحت تمثل عبئًا ماليًا يصعب الاستغناء عنه في بعض المراحل الدراسية. وقد أدى انتشار المنصات التعليمية الرقمية إلى ظهور شكل جديد من الإنفاق، حيث أصبحت بعض الأسر تخصص جزءًا من ميزانيتها للاشتراك في منصات تعليمية أو شراء محتوى إلكتروني أو توفير خدمة إنترنت مستقرة تساعد الأبناء على متابعة الدروس. التكنولوجيا غيرت شكل التعليم... وأضافت مصروفات جديدة لم تعد العملية التعليمية تعتمد على الكتاب المدرسي فقط، بل أصبح الهاتف الذكي أو الحاسب اللوحي والاتصال بالإنترنت جزءًا من أدوات التعلم لدى كثير من الطلاب. ورغم ما وفرته التكنولوجيا من فرص للتعلم والوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات، فإنها أضافت في المقابل أعباء جديدة على الأسرة، سواء في شراء الأجهزة أو صيانتها أو توفير باقات الإنترنت اللازمة لاستخدامها. وأصبح كثير من أولياء الأمور ينظرون إلى هذه المتطلبات باعتبارها جزءًا من مستلزمات الدراسة، لا يمكن الاستغناء عنها في ظل التحول الرقمي الذي يشهده قطاع التعليم. التعليم استثمار في المستقبل... لكن الأسرة تحتاج إلى الدعم لا يختلف اثنان على أن الإنفاق على التعليم هو استثمار في مستقبل الأبناء، وأن بناء الإنسان يظل أحد أهم عناصر التنمية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأسرة على مواصلة هذا الاستثمار دون أن تتحمل ضغوطًا مالية تتجاوز إمكاناتها. ولهذا يرى متخصصون أن تخفيف الأعباء عن الأسرة لا يرتبط فقط بقيمة المصروفات الدراسية، وإنما بتحسين جودة العملية التعليمية داخل المدرسة، وتوفير بيئة تعليمية جاذبة، والحد من الاعتماد على الإنفاق الإضافي خارجها، إلى جانب دعم التحول الرقمي بما يضمن تكافؤ الفرص بين الطلاب. وفي الوقت نفسه، يبقى دور الأسرة محوريًا في ترشيد الإنفاق، والتركيز على الاحتياجات الأساسية، وعدم الانسياق وراء شراء مستلزمات أو خدمات لا تضيف قيمة حقيقية للمستوى التعليمي للطالب.   يبقى التعليم أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقدمها أي أسرة لأبنائها، لكنه في الوقت ذاته أصبح يحمل تكلفة متزايدة تجعل كثيرًا من أولياء الأمور يدخلون كل عام دراسي بحسابات دقيقة وقلق مشروع. وربما لا تكون القضية في وجود نفقات مرتبطة بالتعليم، وإنما في كيفية تحقيق التوازن بين جودة الخدمة التعليمية، وقدرة الأسرة على تحمل تكلفتها، حتى يظل التعليم وسيلة لبناء المستقبل، لا مصدرًا لضغوط اقتصادية تتزايد عامًا بعد عام.

محمود أبو السعود أغسطس ٢, ٢٠٢٦ 0
المنشور الأكثر قراءة
«20 عامًا في صناعة الإنسان.. الدكتور أحمد السيد الرجل الذي يعيد ترتيب عقول المؤسسات»

في عالم أصبحت فيه المنافسة بين المؤسسات لا تعتمد فقط على حجم الاستثمارات أو قوة التكنولوجيا، وإنما على القدرة الحقيقية في اكتشاف الإنسان وتطويره، برزت أهمية المتخصصين في إدارة الموارد البشرية باعتبارهم صناع التغيير داخل المؤسسات. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا المجال في مصر والمنطقة العربية الدكتور أحمد السيد، استشاري الموارد البشرية ورئيس الغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية، الذي استطاع خلال مسيرة تمتد لأكثر من 20 عامًا أن يجمع بين الخبرة التنفيذية، والتأهيل الأكاديمي، والعمل الاستشاري، والإعلام، وريادة الأعمال، ليصبح أحد المتخصصين الذين عملوا على إعادة تشكيل طريقة تفكير المؤسسات تجاه العنصر البشري. لم تكن رحلة الدكتور أحمد السيد مجرد مسار وظيفي تقليدي داخل إدارات الموارد البشرية، بل تحولت إلى مشروع متكامل هدفه تطوير المؤسسات، وبناء القيادات، وتحويل إدارة الأفراد من وظيفة إدارية محدودة إلى شريك أساسي في صناعة القرار. البداية من إيمان بأن الإنسان هو رأس المال الحقيقي انطلق الدكتور أحمد السيد من رؤية أساسية مفادها أن نجاح أي مؤسسة يبدأ من اختيار الإنسان المناسب، ووضعه في المكان الصحيح، وتوفير البيئة التي تساعده على التطور والإبداع. وعلى مدار سنوات عمله، تخصص في مجالات إدارة الموارد البشرية، والهيكلة الإدارية، وإدارة التغيير، وهي مجالات أصبحت من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الشركات الكبرى لمواجهة التحولات الاقتصادية والتنافسية. فالمؤسسات لا تواجه فقط تحديات مالية أو تشغيلية، وإنما تواجه تحديًا أكبر يتعلق بقدرتها على إدارة فرق العمل، والحفاظ على الكفاءات، وبناء ثقافة داخلية تساعدها على النمو. ومن هنا جاء اهتمام الدكتور أحمد السيد بتقديم حلول عملية تساعد الشركات على إعادة تنظيم هياكلها، وتطوير أدائها، وبناء أنظمة أكثر كفاءة. خبرة في إعادة هيكلة أكثر من 120 شركة عربية وعالمية خلال مسيرته المهنية، شارك الدكتور أحمد السيد في تنفيذ مشروعات إعادة هيكلة وتوظيف وتطوير موارد بشرية لأكثر من 120 شركة عربية وعالمية، تعامل خلالها مع قطاعات مختلفة وبيئات عمل متنوعة. هذه الخبرات منحته قدرة على فهم طبيعة المؤسسات من الداخل، وتشخيص نقاط القوة والضعف، ووضع حلول تتناسب مع احتياجات كل كيان. ومن بين المشروعات المهمة التي شارك فيها مشروعات ذات طابع قومي، من بينها مشروع سايلو فودز بمراحله الأولى والثانية، وهو المشروع الذي افتتحه الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث كان تطوير الهيكل الإداري وبناء منظومة العمل أحد العناصر المهمة في نجاح المشروعات الكبرى. كما شارك في مشروع إعادة هيكلة مركز التجارة العالمي - مصر، وهي تجربة تعكس قدرته على التعامل مع المؤسسات ذات الطبيعة الخاصة التي تحتاج إلى رؤية إدارية دقيقة وخطط تطوير متكاملة. من خبير موارد بشرية إلى مؤسس كيان متخصص لم يتوقف دور الدكتور أحمد السيد عند تقديم الاستشارات للشركات، بل انتقل إلى مرحلة بناء كيان يخدم مجتمع الموارد البشرية في مصر. فأسس وترأس مجلس إدارة الغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية، وهي مؤسسة متخصصة في استشارات الموارد البشرية والتدريب، تهدف إلى تطوير الممارسات المهنية ونشر ثقافة الإدارة الحديثة. ومن خلال الغرفة، أصبح أحد الداعمين لبناء مجتمع مهني يجمع المتخصصين والخبراء والقيادات التنفيذية، بهدف تبادل الخبرات ومناقشة مستقبل سوق العمل. كما ارتبط اسمه بتنظيم عدد من الفعاليات الكبرى، من بينها المؤتمر السنوي لمحترفي الموارد البشرية، الذي استمر لمدة 12 عامًا، والمؤتمر السنوي لرؤساء مجالس الإدارات والمديرين التنفيذيين، الذي استمر تنظيمه لمدة 9 سنوات. وكانت هذه المؤتمرات منصة تجمع أصحاب الخبرات وصناع القرار لمناقشة التحديات التي تواجه المؤسسات وطرق تطوير الإدارة في مصر والمنطقة. العلم يوازي الخبرة.. رحلة أكاديمية دولية رغم خبرته العملية الطويلة، حرص الدكتور أحمد السيد على بناء أساس علمي قوي يدعم تجربته المهنية. فحصل على درجة الدكتوراه في إدارة الموارد البشرية من لندن بيزنس سكول بالمملكة المتحدة، وهي واحدة من المؤسسات الأكاديمية المرموقة في مجال الإدارة عالميًا. كما حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الألمانية بالقاهرة، إلى جانب اعتماده استشاريًا من المعهد القومي للجودة. هذا الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية منحه قدرة على الربط بين النظريات الإدارية الحديثة والتطبيق الفعلي داخل المؤسسات. "SEEVEZ".. عندما التقت الموارد البشرية بالتكنولوجيا مع تغير شكل سوق العمل عالميًا، أدرك الدكتور أحمد السيد أهمية التكنولوجيا في تطوير عمليات التوظيف والتواصل بين الشركات والباحثين عن فرص العمل. ومن هذا المنطلق، أسس منصة "SEEVEZ"، وهي أول تطبيق موبايل متخصص في السير الذاتية المرئية، بهدف تقديم نموذج جديد لعرض خبرات ومهارات الباحثين عن العمل بطريقة أكثر تطورًا. وجاءت فكرة المنصة انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن سوق العمل يحتاج إلى أدوات حديثة تساعد الشركات على اكتشاف المواهب، وتساعد الأفراد على تقديم أنفسهم بصورة أكثر احترافية. "كلام مش عادي".. تبسيط علوم الإدارة للجمهور لم تظل خبرة الدكتور أحمد السيد داخل قاعات الاجتماعات والتدريب فقط، بل اختار أن ينقل المعرفة الإدارية إلى الجمهور عبر الإعلام. فقدم برنامج "كلام مش عادي"، وهو برنامج متخصص في علوم إدارة الموارد البشرية، ظهر بنسخته الإذاعية عبر راديو مصر عام 2016، ثم بنسخته التلفزيونية على قناة العاصمة عام 2018. وخلال البرنامج، قدم موضوعات الإدارة والموارد البشرية بأسلوب مبسط، وربط بين المفاهيم العلمية والمواقف اليومية داخل بيئة العمل. كما شارك كضيف ومتحدث في العديد من القنوات المصرية والعربية، من بينها CBC، وNogoum FM، والعربية، والغد، وDMC، وMBC مصر، وSaudi 1 وغيرها، للحديث عن الإدارة، وسوق العمل، وتطوير المهارات. حضور رقمي وتأثير يتجاوز قاعات التدريب استطاع الدكتور أحمد السيد بناء حضور قوي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتجاوز عدد متابعيه مليون متابع، وهو ما يعكس اهتمام الجمهور بالمحتوى المتعلق بالإدارة وتطوير الذات والحياة المهنية. ومن خلال هذا الحضور، أصبح يقدم محتوى يربط بين الخبرة المهنية والتحديات التي يواجهها الموظفون والشركات في سوق العمل الحديث. أكثر من 200 مشروع استشاري وصناعة قيادات جديدة خلال مسيرته، شارك الدكتور أحمد السيد في أكثر من 200 مشروع استشاري، وأكثر من 150 مشروع توظيف، كما قدم أكثر من 20 برنامجًا تدريبيًا، وشارك في أكثر من 30 مؤتمرًا وفعالية متخصصة. هذه الأرقام تعكس حجم التجربة التي خاضها في التعامل مع المؤسسات والأفراد، وقدرته على نقل الخبرة من الواقع العملي إلى الأجيال الجديدة من المتخصصين. العمل المجتمعي.. الخبرة في خدمة الإنسان لم تقتصر مسيرته على الجانب المهني، بل امتدت إلى العمل التطوعي والمجتمعي، حيث شارك في مبادرات مع مؤسسات مثل جمعية الأورمان، ورسالة، ومصر الخير. ويؤمن الدكتور أحمد السيد بأن الخبرة لا تكتمل قيمتها إلا عندما يكون لها أثر إيجابي خارج إطار العمل، وأن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع. رحلة عنوانها الاستثمار في الإنسان بعد أكثر من عقدين في مجال الموارد البشرية، أصبح الدكتور أحمد السيد نموذجًا للخبير الذي جمع بين الاستشارة والتنفيذ، وبين الإدارة والإعلام، وبين المعرفة الأكاديمية والتجربة العملية. فمن إعادة هيكلة الشركات الكبرى، إلى تدريب القيادات، مرورًا بتأسيس الكيانات المهنية والمنصات الرقمية، ظل المحور الرئيسي في رحلته هو الإنسان. لأن المؤسسات قد تمتلك الأموال والتكنولوجيا، لكنها لا تستطيع تحقيق النجاح الحقيقي إلا عندما تعرف كيف تختار الإنسان المناسب، وتطوره، وتمنحه البيئة التي تساعده على صناعة الفارق.

«من فيرمونت إلى لجنة العفو الرئاسي».. رحلة «طارق العوضي» في أخطر قضايا الرأي العام

في عالم المحاماة، لا تُصنع الأسماء الكبيرة داخل قاعات المحاكم فقط، بل في القضايا التي تترك أثرًا في المجتمع وتصبح محل اهتمام الرأي العام، ومن بين تلك الأسماء، يبرز المحامي الحقوقي طارق العوضي، الذي استطاع على مدار سنوات أن يرسخ حضوره كأحد أبرز المحامين في مصر، جامعًا بين المرافعات القانونية، والعمل الحقوقي، والمشاركة في الملفات ذات البعد الإنساني. لم تكن رحلة العوضي نحو الشهرة قائمة على البحث عن الأضواء، وإنما جاءت نتيجة انخراطه في قضايا شائكة ومعقدة، تعامل معها من منظور قانوني وحقوقي، واضعًا نصب عينيه أن حق الدفاع هو أحد الركائز الأساسية لتحقيق العدالة وسيادة القانون. بدأ طارق العوضي مسيرته المهنية بعد تخرجه في كلية الحقوق، واختار أن يشق طريقه داخل مهنة المحاماة، متنقلًا بين أروقة المحاكم في القضايا الجنائية والحقوقية، حتى أصبح من الأسماء المعروفة في القضايا التي تحظى بمتابعة إعلامية واسعة، وخلال سنوات عمله، اكتسب خبرة في إدارة الملفات القانونية المعقدة، وأصبح حضوره مألوفًا في القضايا التي تتطلب دفاعًا قانونيًا متخصصًا. ومع اتساع نشاطه، لم يقتصر دوره على ساحات القضاء، بل امتد إلى المجال الحقوقي، حيث شارك في العديد من المبادرات والنقاشات المتعلقة بالحريات العامة والإصلاح التشريعي، وأصبح من الأصوات القانونية التي تطرح رؤى بشأن تطوير التشريعات، خاصة قانون الإجراءات الجنائية، والحبس الاحتياطي، وضمانات المحاكمة العادلة، مؤكدًا أن تحديث القوانين يجب أن يواكب التطورات المجتمعية، مع الحفاظ على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور. قضايا صنعت اسمه كما تولى الدفاع عن ضحايا قضية "جنايني" مدرسة الإسكندرية الدولية، وهي القضية التي أثارت حالة واسعة من الغضب، حيث تابع التحقيقات والمحاكمة، مؤكدًا أن حماية الأطفال ومحاسبة المتورطين تمثل أولوية لا تحتمل التهاون. وبرز اسمه كذلك في قضية مدرس الكونسرفتوار المتهم بهتك عرض طفلة، حيث كان محامي المجني عليها، وتابع القضية حتى صدور الحكم، مؤكدًا أن العدالة الناجزة في مثل هذه الجرائم تمثل رسالة ردع لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الأطفال. وفي عام 2026، أعلن توليه الدفاع عن الطفلة "قمر" ضحية المنيب، وشارك في متابعة التحقيقات، مطالبًا بسرعة القصاص من الجناة، كما باشر الدفاع في قضية أخرى تتعلق بالتحرش بطفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، في استمرار لاهتمامه بالقضايا المرتبطة بحماية الأطفال والنساء. كما شارك في عدد من القضايا ذات الطابع الحقوقي والإنساني، ما جعله حاضرًا بصورة دائمة في الملفات التي تجمع بين القانون وحقوق الإنسان. لجنة العفو الرئاسي ومن أبرز المحطات في مسيرته، اختياره عضوًا في لجنة العفو الرئاسي، التي أُعيد تفعيلها في إطار الحوار الوطني، حيث شارك في دراسة ملفات عدد من المحبوسين، والعمل على مراجعة الحالات التي تنطبق عليها معايير الإفراج، في إطار جهود هدفت إلى دعم مسار الحوار الوطني وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. ويؤكد العوضي أن عمل اللجنة انطلق من معايير قانونية وإنسانية، وأنها أسهمت في إعادة دمج عدد من المفرج عنهم في المجتمع، بما يعكس توجهًا نحو تعزيز قيم العدالة وسيادة القانون. حضور إعلامي ومواقف قانونية إلى جانب عمله في المحاماة، يتمتع طارق العوضي بحضور إعلامي ملحوظ، إذ يشارك في البرامج الحوارية والندوات القانونية، ويقدم قراءات وتحليلات للقضايا التي تشغل الرأي العام، كما يحرص على تبسيط المفاهيم القانونية للمواطنين، وإيضاح الأبعاد الدستورية والتشريعية لمختلف القضايا. ويرى العوضي أن المحامي لا يقتصر دوره على الدفاع أمام القضاء، بل يمتد إلى نشر الثقافة القانونية، والمساهمة في تطوير التشريعات، والدفاع عن سيادة القانون باعتبارها الضمانة الأساسية لاستقرار المجتمع. بين القانون والحقوق ويجمع طارق العوضي في تجربته بين المحاماة والعمل الحقوقي، حيث يحرص على المشاركة في النقاشات المتعلقة بالإصلاح التشريعي، ويؤكد أن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا بتوازن دقيق بين إنفاذ القانون، وصون الحقوق والحريات، واحترام الضمانات الدستورية. وبفضل حضوره في عدد من القضايا الكبرى، ودوره في لجنة العفو الرئاسي، ومشاركته المستمرة في النقاشات القانونية، أصبح العوضي أحد أبرز الوجوه القانونية في مصر، واسمًا ارتبط بملفات الرأي العام، والدفاع عن الحقوق، والسعي إلى ترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون. ورغم اختلاف القضايا التي ترافع فيها، يبقى القاسم المشترك بينها هو سعيه إلى توظيف القانون كأداة لتحقيق العدالة، وهو ما جعله يحظى بحضور لافت داخل الأوساط القانونية والإعلامية، ويواصل أداء دوره في واحدة من أكثر المهن ارتباطًا بحقوق الإنسان وحماية المجتمع.  

تكريم المستشار ربيعي حمدي بالمركز القومي للدراسات القضائية بعد اجتيازه «TOT».. وهيئة قضايا الدولة تواصل تأهيل كوادرها التدريبية

في لفتة تقديرية تعكس الاهتمام بتأهيل الكوادر القانونية، كرّم المستشار الدكتور مجدي سلامة، مساعد وزير العدل لشؤون المركز القومي للدراسات القضائية، المستشار ربيعي حمدي، بمناسبة اجتيازه بنجاح دورة «تدريب المدربين (TOT)»، التي عُقدت بمقر المركز بالعباسية، وسط إشادة بمستواه المتميز خلال البرنامج التدريبي. ويأتي هذا التكريم في ختام فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة «تدريب المدربين (TOT)»، التي نظمتها هيئة قضايا الدولة لمستشاريها، في إطار خطة تدريبية شاملة تستهدف رفع كفاءة الأعضاء وصقل مهاراتهم، بما يتماشى مع متطلبات التطوير المؤسسي وبناء القدرات داخل الهيئة. وأُقيمت الدورة تحت رعاية المستشار الدكتور حسين مدكور، رئيس هيئة قضايا الدولة، الذي يولي اهتمامًا كبيرًا بملف التدريب والتأهيل، إيمانًا بأهمية الاستثمار في العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التميز والارتقاء بمستوى الأداء. وجاء تنظيم البرنامج من خلال إدارة العلاقات العامة والمراسم بالأمانة العامة للهيئة، بالتنسيق مع المركز القومي للدراسات القضائية، في إطار التعاون المؤسسي المثمر، وبمشاركة الإدارة العامة لشؤون التحول الرقمي، بما يعكس توجه الهيئة نحو دمج التطوير المهني بالتكنولوجيا الحديثة. وتضمن برنامج «تدريب المدربين (TOT)» محتوى تدريبيًا متقدمًا قدّمه الدكتور محمد والي، عميد كلية الحاسبات والمعلومات بجامعة دمنهور، حيث ركّز على تنمية مهارات المشاركين في إعداد وتصميم الحقائب التدريبية، وأساليب العرض والتقديم، ومهارات الاتصال الفعّال، بما يؤهلهم لنقل المعرفة والخبرات بصورة احترافية ومنهجية. كما استهدف البرنامج إعداد كوادر تدريبية داخل هيئة قضايا الدولة، قادرة على نقل الخبرات وتعميم المعرفة بين الأعضاء، بما يسهم في بناء قاعدة معرفية قوية تدعم الأداء المؤسسي، وتعزز ثقافة التعلم المستمر والعمل الجماعي داخل الهيئة. وأكدت هيئة قضايا الدولة أن تنظيم هذه الدورات يأتي ضمن استراتيجية متكاملة تهدف إلى رفع كفاءة العنصر البشري، وتأهيل كوادر قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في مجالات العمل القانوني والإداري، بما يدعم دور الهيئة في حماية المال العام وترسيخ سيادة القانون. ويعكس تكريم المستشار ربيعي حمدي هذا التوجه، باعتباره نموذجًا للكوادر التي تسعى الهيئة إلى إعدادها، والقادرة على الجمع بين الخبرة القانونية والمهارات التدريبية الحديثة، بما يفتح المجال أمام نقل المعرفة داخل المؤسسة بصورة أكثر تأثيرًا واستدامة. واختُتمت الفعاليات بالتأكيد على استمرار التعاون بين هيئة قضايا الدولة والمركز القومي للدراسات القضائية في تنفيذ المزيد من البرامج التدريبية المتخصصة، التي تستهدف بناء جيل جديد من الكوادر المؤهلة علميًا وعمليًا، بما يواكب رؤية الدولة نحو تطوير الجهاز الإداري وتحقيق التميز المؤسسي.

«هنا تصنع الكفاءات.. قصة نجاح مدرسة مصر للتأمين بالمنيا»

يشهد سوق العمل تغيرات متسارعة فرضت الحاجة إلى خريجين يمتلكون مزيجًا من المعرفة والمهارة والقدرة على التعامل مع التطورات الحديثة، وهو ما جعل تطوير منظومة التعليم وربطها باحتياجات المجتمع أحد أهم مسارات بناء المستقبل. وفي ظل هذا الاتجاه، برزت نماذج تعليمية جديدة تهدف إلى الانتقال بالطالب من مرحلة اكتساب المعلومات إلى مرحلة امتلاك المهارات والخبرات العملية، من خلال الجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب التطبيقي. وتأتي مدرسة مصر للتأمين الدولية للتكنولوجيا التطبيقية بالمنيا ضمن هذه التجارب التي تقدم رؤية مختلفة للتعليم، حيث تعمل على إعداد الطلاب وفق منظومة تعتمد على التخصص والتدريب وربط العملية التعليمية بمتطلبات سوق العمل. فالمدرسة لا تركز فقط على الجانب الدراسي، وإنما تهتم ببناء شخصية الطالب وتنمية قدراته، بما يجعله قادرًا على التعامل مع تحديات المستقبل، ويمتلك الأدوات التي تساعده على النجاح في حياته المهنية. وتعكس تجربة المدرسة فلسفة تقوم على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان، وأن إعداد كوادر شابة تمتلك العلم والمهارة يمثل ركيزة أساسية لدعم مسيرة التنمية. ومن خلال بيئة تعليمية تعتمد على الانضباط والتطبيق العملي وتنمية القدرات، تسعى مدرسة مصر للتأمين بالمنيا إلى تقديم نموذج متطور في التعليم الفني والتكنولوجي، يفتح أمام الطلاب آفاقًا جديدة للمستقبل. تعليم مختلف.. من الحفظ إلى بناء المهارة تعتمد فلسفة مدرسة مصر للتأمين بالمنيا على مفهوم حديث للتعليم، يقوم على أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن الطالب يحتاج إلى امتلاك القدرة على تحويل ما يتعلمه إلى مهارات عملية قابلة للتطبيق. فالعالم اليوم يشهد تغيرات متسارعة في مختلف المجالات، وأصبح سوق العمل يبحث عن أشخاص يمتلكون القدرة على التفكير والتحليل وحل المشكلات، وليس فقط الحاصلين على شهادات دراسية. ومن هذا المنطلق، تهتم المدرسة بتقديم تجربة تعليمية تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي، بحيث يحصل الطالب على أساس علمي قوي، إلى جانب التدريب الذي يساعده على فهم طبيعة العمل ومتطلباته. كما تركز المدرسة على تنمية المهارات الشخصية للطلاب، مثل التواصل والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية والانضباط، باعتبارها عناصر أساسية للنجاح في أي بيئة مهنية. فالطالب الذي يتعلم كيف يفكر وكيف يطبق ما تعلمه يصبح أكثر قدرة على التعامل مع تحديات المستقبل، وأكثر استعدادًا للانتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة العمل والإنتاج. وهنا تظهر أهمية هذا النموذج التعليمي الذي لا يهدف فقط إلى تخريج طالب يحمل شهادة، وإنما إعداد شاب يمتلك الأدوات التي تساعده على بناء مستقبل مهني ناجح. شراكة التعليم وسوق العمل.. طريق صناعة الخريج المؤهل كان الربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة التعليم خلال السنوات الماضية، وهو ما جعل الاتجاه نحو المدارس المتخصصة والتكنولوجية ضرورة لإعداد خريجين يمتلكون مهارات حقيقية. وتسعى مدرسة مصر للتأمين بالمنيا إلى تقديم نموذج يقوم على تقليل الفجوة بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه سوق العمل، من خلال الاهتمام بالتخصص والتدريب والتطبيق. فالفكرة الأساسية ليست فقط أن يحصل الطالب على مؤهل دراسي، وإنما أن يمتلك خبرة ومعرفة تساعده على المنافسة بعد التخرج. كما تمنح المدرسة الطلاب فرصة للتعرف على طبيعة المجالات المرتبطة بتخصصاتهم، واكتساب خبرات مبكرة تساعدهم على تحديد خطواتهم المستقبلية بشكل أكثر وضوحًا. ويمثل هذا النوع من التعليم فرصة مهمة لتغيير الصورة التقليدية عن التعليم الفني، ليصبح مسارًا قائمًا على الاختيار والطموح، وليس مجرد بديل عن التعليم التقليدي. فالعديد من فرص العمل الحديثة أصبحت تعتمد بشكل أساسي على المهارة والخبرة، وهو ما يجعل المدارس التكنولوجية التطبيقية أحد المسارات المهمة لإعداد كوادر قادرة على المشاركة في الاقتصاد الوطني. الطالب محور العملية التعليمية تضع مدرسة مصر للتأمين بالمنيا الطالب في قلب العملية التعليمية، من خلال الاهتمام ببناء شخصيته وتنمية قدراته، وليس التركيز فقط على الجانب الأكاديمي. فالتجارب التعليمية الحديثة تقوم على أن الطالب شريك في عملية التعلم، وليس مجرد مستقبل للمعلومات، ولذلك تهتم المدرسة بتوفير بيئة تساعده على المشاركة والتجربة واكتشاف قدراته. كما يمثل التدريب العملي عنصرًا أساسيًا في تكوين الطالب، لأنه يمنحه فرصة للتعامل مع مواقف حقيقية، ويجعله أكثر استعدادًا للحياة المهنية بعد التخرج. ولا تقتصر مهمة المدرسة على تطوير الجانب العلمي فقط، وإنما تمتد إلى بناء شخصية الطالب من خلال غرس قيم الالتزام والانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية. فالنجاح في سوق العمل لا يعتمد فقط على المعرفة الفنية، وإنما يحتاج إلى شخصية قادرة على التعامل مع الآخرين، واحترام الوقت، والالتزام بمعايير الجودة. ومن هنا تصبح المدرسة بيئة متكاملة لصناعة الإنسان، وليس فقط مكانًا للحصول على التعليم. قيادات تقود التجربة.. إدارة تراهن على صناعة نموذج تعليمي مختلف خلف نجاح أي تجربة تعليمية حديثة تقف قيادات تمتلك رؤية واضحة وقدرة على تحويل الأهداف إلى واقع ملموس، وهو ما يظهر في تجربة مدرسة مصر للتأمين الدولية للتكنولوجيا التطبيقية بالمنيا. ويقود العمل داخل المدرسة عبد الرحمن عليوه عبد الرحمن، المدير الأكاديمي، حيث يتولى متابعة العملية التعليمية والأكاديمية، والعمل على تحقيق أهداف المدرسة في تقديم نموذج تعليمي يعتمد على الجودة والتطبيق العملي. كما تلعب هاجر إسماعيل المشرف التنفيذي للمدرسة دورًا مهمًا في متابعة الجوانب التنفيذية والتنظيمية، وضمان سير العمل وفقًا للمعايير الخاصة بالمدارس التكنولوجية التطبيقية. كما يضم الهيكل القيادي للمدرسة أحمد عبد السلام وكيل المدرسة، الذي يساهم في إدارة العمل اليومي ومتابعة الجوانب التنظيمية والتعليمية داخل المدرسة. وتأتي هذه المنظومة ضمن إطار أوسع لتطوير التعليم الفني، حيث يمثل الدكتور عمرو بصيلة رئيس الإدارة المركزية لتطوير التعليم الفني ومدير وحدة تشغيل وإدارة مدارس التكنولوجيا التطبيقية أحد القيادات المسؤولة عن دعم وتطوير هذا النموذج التعليمي. وتعكس هذه المنظومة القيادية أهمية الإدارة في نجاح أي مشروع تعليمي، فالمناهج والتجهيزات وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى رؤية إدارية قادرة على صناعة بيئة تعليمية ناجحة. دور المدرسة في دعم رؤية مصر للتنمية يرتبط تطوير التعليم بشكل مباشر بمستقبل التنمية في مصر، لأن بناء الاقتصاد لا يعتمد فقط على المشروعات والاستثمارات، وإنما يحتاج إلى كوادر بشرية مؤهلة قادرة على تشغيل هذه المشروعات وتطويرها. ومن هنا تأتي أهمية مدارس التكنولوجيا التطبيقية التي تمثل استثمارًا في الإنسان، من خلال إعداد شباب يمتلكون العلم والمهارة والقدرة على المنافسة. وتنسجم تجربة مدرسة مصر للتأمين بالمنيا مع توجه الدولة نحو تطوير التعليم الفني وتحويله إلى مسار جاذب يوفر فرصًا حقيقية أمام الطلاب. فالشاب الذي يحصل على تعليم مرتبط بسوق العمل يكون أكثر قدرة على تحقيق النجاح، سواء من خلال الالتحاق بوظيفة مناسبة أو استكمال مسيرته التعليمية في تخصصات مرتبطة بمجاله. كما تسهم هذه المدارس في نشر ثقافة جديدة تقوم على تقدير العمل والمهارة والإنتاج، وتؤكد أن بناء المستقبل يحتاج إلى عقول مدربة وأيدٍ ماهرة. مصر للتأمين بالمنيا.. خطوة نحو مستقبل مهني أكثر وضوحًا تمثل مدرسة مصر للتأمين بالمنيا تجربة تعليمية تحمل رؤية مختلفة لمستقبل الطلاب، فهي لا تركز فقط على سنوات الدراسة، وإنما تنظر إلى ما بعدها، وإلى كيفية إعداد الطالب ليكون قادرًا على المنافسة في الحياة العملية. فالمستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على التعلم المستمر وتطوير المهارات والتكيف مع المتغيرات، وهو ما تسعى المدرسة إلى تحقيقه من خلال منظومة تعليمية تجمع بين المعرفة والتطبيق. إن قيمة أي مؤسسة تعليمية لا تقاس فقط بما تقدمه داخل الفصول، وإنما بما تتركه من أثر في شخصية الطلاب وقدرتهم على بناء مستقبلهم. ومن خلال الاهتمام بالتخصص والتدريب والانضباط، تقدم مدرسة مصر للتأمين بالمنيا نموذجًا يسعى إلى تخريج جيل جديد من الشباب القادر على العمل والإبداع والمشاركة في مسيرة التنمية. فالتعليم الحقيقي هو الذي يمنح الطالب القدرة على صناعة مستقبله، وهذه هي الرسالة التي تقوم عليها تجربة مدرسة مصر للتأمين الدولية للتكنولوجيا التطبيقية بالمنيا.

"فكري الهواري يطلق صرخة من قلب نادي الشيخ زايد للرئيس السيسي: أنقذوا حلم 100 ألف مواطن قبل ضياع أرض الامتداد"

أتشرف بأن أرفع إلى فخامتكم وإلى معالي وزير الشباب والرياضة نداءً يحمل في مضمونه مطلب آلاف الأسر من أعضاء نادي الشيخ زايد وأبناء المدينة، ليس دفاعًا عن أشخاص أو مجالس إدارات، وإنما دفاعًا عن صرح رياضي يمثل المتنفس الوحيد لمدينة كاملة، وعن مشروع طال انتظاره ليكون مساحة لصناعة الشباب وبناء الإنسان. لقد تشرفت خلال فترة رئاستي لمجلس إدارة نادي الشيخ زايد بخدمة هذا الكيان، والعمل مع أبناء النادي ومجالس الإدارات المتعاقبة من أجل تحقيق حلم طال انتظاره، وهو توفير مساحة تليق بأبناء مدينة الشيخ زايد التي أصبحت من أكبر المدن العمرانية وأكثرها احتياجًا إلى منشآت رياضية واجتماعية تستوعب شبابها وأطفالها. فالنادي الحالي، رغم ما تحقق به من إنجازات، لا تتجاوز مساحته 8 أفدنة، وهي مساحة لم تعد تتناسب مع الأعداد المتزايدة للأعضاء، ولا مع الطموحات الكبيرة لمدينة تضم آلاف الأسر والشباب والبراعم، كما أن طبيعة تصميم النادي ووجود الملعب القانوني بداخله جعلت فرص التوسع وإضافة منشآت جديدة أمرًا بالغ الصعوبة. ومن هنا جاءت أهمية أرض امتداد النادي، التي لم تكن مجرد قطعة أرض، بل كانت مشروع مستقبل. فقد تم العمل عليها لسنوات طويلة، وإنجاز العديد من الإجراءات الرسمية، وإنشاء البنية الأساسية بها من ملاعب وأسوار وبوابات وشبكات مياه وكهرباء وصرف وزراعة، حتى أصبحت واقعًا قائمًا استفاد منه أعضاء النادي بالفعل، وأقيمت عليها العديد من التدريبات والبطولات والأنشطة الرياضية. كما تم وضع تصور استثماري لهذه الأرض بما يتوافق مع قانون الرياضة، من خلال استغلال الأسوار وإقامة مشروعات استثمارية توفر موارد مالية للنادي، وتم بالفعل اتخاذ خطوات جادة بالتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ مشروع يخدم النادي وأعضاءه، ويجعله قادرًا على تطوير منشآته دون تحميل الدولة أي أعباء. فخامة الرئيس.. إن ما يثير القلق لدى أعضاء النادي وأبناء المدينة هو ما تردد خلال الفترة الأخيرة من أنباء حول إمكانية سحب أرض الامتداد أو إعادة تخصيصها لجهة أخرى، وهو أمر  إن حدث سيمثل صدمة كبيرة لكل من شارك في هذا المشروع، وسيهدر سنوات من الجهد والعمل والإنفاق على منشآت أصبحت قائمة بالفعل وتخدم المواطنين. ونحن على ثقة كاملة في حرص الدولة المصرية بقيادتكم على حماية مقدراتها، ودعم الرياضة، ورعاية الشباب، وعدم السماح بضياع أي مشروع يخدم المواطنين ويحقق أهداف الدولة في بناء الإنسان. كما أتوجه إلى الكابتن جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، بما عرف عنه من اهتمام بالملفات الرياضية، بضرورة التدخل ودراسة هذا الملف بعناية، والعمل على استكمال الإجراءات الخاصة بأرض الامتداد، والحفاظ عليها لصالح نادي الشيخ زايد وأعضائه، باعتبارها حقًا لأجيال قادمة من أبناء المدينة. رسالتي اليوم ليست مرتبطة بانتخابات أو منافسة داخل النادي، فأنا أتحدث بصفتي أحد أبناء هذا الكيان الذي خدمته، وعضوًا حريصًا على مستقبله، وأضع أمام القيادة السياسية قضية تمس آلاف الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى ملاعب ومساحات لممارسة الرياضة، في وقت أصبحت فيه المدينة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى متنفس رياضي حقيقي. فخامة الرئيس.. نثق أن عدالتكم واهتمامكم بالرياضة والشباب سيكونان سببًا في إنهاء هذه الأزمة، وإعادة الطمأنينة إلى قلوب أعضاء نادي الشيخ زايد، واستكمال حلم أصبح قريبًا من التحقق. حفظ الله مصر، وحفظ قيادتها، ووفقكم لما فيه خير الوطن والمواطنين. الكابتن/ فكري الهواري رئيس نادي الشيخ زايد الأسبق

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

غرفة الأخبار

«القومي للاتصالات» يصعّد أزمة الخطوط المجهولة.. إحالة شركات المحمول الأربع للنيابة وتشديد إجراءات التسجيل

محمود أبو السعود أغسطس ١٠, ٢٠٢٦ 0

استطلاع التصويت

هل توافق على نظام البكالوريا للثانوية الازهرية