لم تبدأ مأساة الدواويس في اللحظة التي اصطدمت فيها سيارتا العمال على الطريق، ولم تكن الحكاية مجرد صوت فرامل أعقبه ارتطام ثم سيارات إسعاف هرعت إلى المكان، الحقيقة أن المأساة بدأت قبل ذلك بساعات، عندما استيقظ عمال في بيوت بسيطة، ارتدوا ملابس العمل، وودعوا أسرهم على وعد بالعودة في المساء، ثم خرجوا بحثًا عن «اليومية»، بعضهم ربما ترك طفلًا نائمًا، وآخر خرج قبل أن تستيقظ أمه، وثالث كان يحسب في رأسه ما سيشتريه بأجر يومه، لم يكن أحد منهم يعرف أن الطريق إلى لقمة العيش سيصبح بالنسبة لبعضهم آخر طريق.
ثمانية عشر إنسانًا انتهت رحلتهم على طريق الدواويس، لكن اختزال القضية في رقم الضحايا وحده يظلمهم مرتين؛ مرة حين فقدوا حياتهم، ومرة عندما يتحول موتهم إلى خبر عابر ينتهي بانتهاء الجنازات، فالحادث يفتح بابًا أوسع بكثير من البحث عن السائق المخطئ، ويضع أمامنا عالمًا كاملًا من عمال اليومية الذين يتحركون كل صباح بين القرى والمزارع في ظروف لا يملكون غالبًا حق اختيارها.
في هذا العالم لا توجد دائمًا حافلة مخصصة لنقل العامل، ولا مقعد يحمل اسمه، ولا جهة تسأله إن كانت الرحلة آمنة، هناك «مقاول أنفار» يعرف من يحتاج إلى العمال ويعرف أيضًا من يحتاج إلى العمل، يجمعهم في الصباح ويوجههم إلى المزارع، وتأتي السيارة، فيصعد إليها الجميع، العامل لا يسأل كثيرًا عن نوع المركبة أو عدد من سيجلسون إلى جواره، لأن السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إليه مختلف تمامًا: هل سيجد عملًا اليوم أم سيعود إلى بيته خالي اليدين؟
وهنا تكمن قسوة الحكاية، الفقر لا يجعل الإنسان أقل خوفًا على حياته، لكنه أحيانًا يجعله أقل قدرة على رفض الخطر، العامل الذي يعرف أن أبناءه ينتظرون أجر اليوم قد يرى سيارة مكتظة أمامه، لكنه يعرف أيضًا أن رفض الصعود يعني أن شخصًا آخر سيأخذ مكانه والعمل الذي كان ينتظره، وهكذا تتحول المخاطرة من اختيار إلى أمر واقع، ويتحول الطريق إلى جزء غير مكتوب من ثمن اليومية.
حادث الدواويس يفرض لذلك سؤالًا لا يتعلق بالقيادة وحدها: من المسؤول عن العامل منذ خروجه من قريته حتى وصوله إلى المزرعة؟ هل تنتهي مسؤولية صاحب العمل عند حدود أرضه؟ وهل يكفي أن يطلب عشرات العمال ثم يترك طريقة وصولهم بالكامل لمقاول أو وسيط؟ وإذا كان المقاول هو من يجمعهم وينقلهم، فمن يراقب هذا النشاط؟ ومن يتأكد من صلاحية المركبة وعدد ركابها ومن أن البشر الذين بداخلها لا يعاملون باعتبارهم مجرد حمولة يجب إيصالها إلى الحقل؟
وتصبح الأسئلة أكثر إيلامًا عندما يكون بين العمال صغار السن، فالطفل الذي يستيقظ قبل الفجر ليتجه إلى الحقل لا يولد عاملًا، وإنما تقوده سلسلة من الظروف إلى ذلك المكان، ربما دفعه فقر أسرته، وربما خرج مع أشقائه، وربما أصبحت جنيهات قليلة يحصل عليها ضرورة داخل منزل لا يملك الكثير، لكن فهم الظروف لا يعني قبول النتيجة، وإذا كان المجتمع يملك قوانين لحماية الأطفال، فإن الاختبار الحقيقي لهذه القوانين ليس وجودها على الورق، بل قدرتها على الوصول إلى الطفل قبل أن يصل إلى سيارة العمال.
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة، ليس باعتبارها متهمًا في حادث لم تنته تحقيقاته، وإنما باعتبارها صاحبة المسؤولية الأكبر عن الوقاية والرقابة، فوظيفة الدولة لا تبدأ عندما تصل سيارة الإسعاف، ولا عندما تُصرف التعويضات، ولا عندما يقف مسؤول أمام أسرة منكوبة ليقدم واجب العزاء، هذه كلها واجبات مهمة، لكن المسؤولية الأصعب تبدأ قبل سقوط الضحايا؛ عندما تكون السيارة ما زالت على الطريق والعامل ما زال حيًا والطفل لم يصل بعد إلى الحقل.
الدولة تملك أجهزة للمرور، وأجهزة للتفتيش على العمل، ومحافظات ووحدات محلية ومنظومة للحماية الاجتماعية، والسؤال ليس لماذا لم تمنع جهة حكومية حادثًا في لحظته، فهذا تصور غير واقعي، وإنما لماذا تستمر بعض صور نقل العمال بصورة تجعل الخطر مألوفًا؟ هل نحتاج إلى رقابة أكثر تخصصًا على سيارات العمال؟ وهل يجب تنظيم عمل مقاولي الأنفار بصورة أوضح؟ وهل يجب إلزام أصحاب المزارع الكبرى بمعرفة كيف يصل العمال الذين يعملون لديهم؟ ومن يتابع القرى والمناطق التي تنتشر فيها العمالة الموسمية؟
المفارقة أن رحلة المحصول نفسها قد تحظى أحيانًا بحسابات أكثر دقة من رحلة العامل، صاحب العمل يهتم بكيفية نقل إنتاجه، ونوع السيارة، وطريقة التخزين، والوقت الذي سيصل فيه إلى السوق، لأن تلف جزء من المحصول يعني خسارة مالية، لكن الإنسان الذي زرع وجمع وحمل هذا المحصول يجب أن يحظى على الأقل بالاهتمام نفسه، لا يمكن أن تكون سلامة الثمرة أهم من سلامة اليد التي قطفتها.
والمسؤولية هنا لا تقع على الدولة وحدها. صاحب العمل جزء من الصورة، ومقاول العمال جزء منها، والسائق جزء منها، والأسرة والمجتمع كذلك، لكن الفارق أن العامل يظل الحلقة الأضعف بين الجميع، هو الطرف الذي يمتلك أقل قدر من القرار ويتحمل أكبر قدر من الخطر. ولهذا لا يصح أن تكون أول مواجهة للمشكلة هي سؤال العامل: لماذا ركبت؟ بل يجب أن يكون السؤال: لماذا لم نوفر لك خيارًا أكثر أمانًا؟
بعد الحادث تحضر سيارات الإسعاف، وتتحرك المستشفيات، وتبدأ التحقيقات، وتُصرف المساعدات، ثم تأتي الجنازات، وبعد أيام يهدأ كل شيء. هذه الدورة هي ما يجب أن تكسره الدواويس، التعويض يستطيع مساعدة أسرة فقدت مصدر دخلها، لكنه لا يعيد إنسانًا إلى بيته، والمحاسبة تستطيع تحقيق العدالة، لكنها وحدها لن تمنع حادثًا جديدًا إذا بقيت الظروف التي صنعت الخطر كما هي.
الاختبار الحقيقي سيبدأ في صباح آخر، في قرية أخرى، عندما يستيقظ عمال جدد ويقفون في المكان المعتاد منتظرين سيارة تأخذهم إلى الحقل، ستأتي المركبة، وسيصعد إليها من يحتاج إلى اليومية، وستتحرك على الطريق، في تلك اللحظة تحديدًا سنعرف إن كانت الدواويس قد غيرت شيئًا، أم أن المأساة أصبحت مجرد رقم جديد في أرشيف الحوادث.
ثمانية عشر إنسانًا خرجوا بحثًا عن رزقهم ولم يعودوا. حقهم لا يتوقف عند معرفة من تسبب في التصادم، بل يمتد إلى معرفة من كان مسؤولًا عن حمايتهم قبل وقوعه، وكيف يمكن حماية آلاف غيرهم ممن يخرجون كل صباح بالطريقة نفسها.
لقد خرجوا ليجمعوا المحصول ويعودوا بما يسد احتياجات بيوتهم، لكن الطريق كان أسرع من أحلامهم، وبين بيوت انتظرت عودتهم وسيارات أعادت بعضهم جثامين، بقي سؤال الدواويس مفتوحًا أمام الجميع:
من يحمي الفقير وهو في طريقه إلى لقمة العيش، حتى لا يصبح ثمن اليومية القادمة حياة إنسان آخر؟