لا يمر يوم تقريبًا دون أن يواجه المواطن المصري أزمة خدمية أو اقتصادية تفرض نفسها على المشهد؛ من شكاوى المرافق، وارتفاع الأسعار، وتراجع بعض الخدمات، إلى تعثر تنفيذ مشروعات محلية في عدد من المحافظات، وفي خضم هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى مجلس النواب باعتباره السلطة الدستورية المنوط بها التشريع والرقابة على أداء الحكومة، ليتردد سؤال يفرض نفسه بقوة هل ما زال البرلمان المصري يمارس صلاحياته كاملة باعتباره سيد قراره، أم أن الدور الرقابي لم يعد حاضرًا بالفاعلية التي ينتظرها المواطن؟
هذا السؤال لا يحمل تشكيكًا في مكانة المؤسسة التشريعية أو اختصاصاتها الدستورية، بقدر ما يعكس حالة من الجدل المتنامي داخل الشارع المصري وبين المتابعين للشأن العام، حول مدى قدرة البرلمان على تحويل أدواته الرقابية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالمواطن لا يقيس أداء البرلمان بعدد الجلسات أو القوانين التي تُقر، وإنما بقدرته على محاسبة المسؤولين، وكشف أوجه القصور، ودفع الحكومة إلى تحسين الخدمات والاستجابة السريعة لمطالب المواطنين.
ويزداد هذا الجدل مع اتساع الفجوة بين حجم التحديات التي تواجه المواطن، وبين ما يراه من نتائج مباشرة للمناقشات البرلمانية، فكلما تكررت أزمات الصحة أو التعليم أو المرافق أو الأسواق، عاد التساؤل مجددًا حول مدى فاعلية الدور الرقابي، وهل يستخدم البرلمان جميع الأدوات التي منحها له الدستور من استجوابات، وطلبات إحاطة، ولجان تقصي حقائق، ومساءلة للوزراء، أم أن هذه الأدوات تحتاج إلى حضور أقوى وأكثر تأثيرًا في مواجهة الملفات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
فالدستور المصري رسم إطارًا واضحًا للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنح البرلمان صلاحيات واسعة لا تقتصر على إصدار القوانين، وإنما تمتد إلى متابعة أداء الحكومة ومحاسبتها عند التقصير، ومن بين هذه الأدوات طلبات الإحاطة، والأسئلة البرلمانية، والاستجوابات، وطلبات المناقشة العامة، ولجان تقصي الحقائق، وهي وسائل يفترض أن تجعل البرلمان عينًا تراقب أداء الجهاز التنفيذي وتحاسب المسؤولين أمام الشعب.
إلا أن المشهد في السنوات الأخيرة كشف عن مفارقة لافتة؛ فبينما شهد المجلس نشاطًا تشريعيًا مكثفًا بإقرار عدد كبير من القوانين التي مست قطاعات الاقتصاد والاستثمار والعمل والضرائب والإدارة المحلية، ظل الجدل قائمًا حول مدى انعكاس النشاط الرقابي على الواقع، فالمواطن لا يلمس نتائج المناقشات البرلمانية بقدر ما يلمس استمرار المشكلات نفسها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تأثير الأدوات الرقابية في إلزام الحكومة بتصحيح مسارها.
وتبرز هذه الصورة بوضوح في الملفات الخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، ففي قطاع الصحة، لا تزال شكاوى نقص بعض الخدمات الطبية وطول فترات الانتظار في عدد من المستشفيات الحكومية تتكرر، بينما يشكو مواطنون في بعض المحافظات من نقص الأطباء أو الإمكانات، وفي التعليم، تتجدد المطالب بتحسين البنية الأساسية للمدارس، وتقليل كثافة الفصول، والارتقاء بجودة العملية التعليمية، أما في ملف المرافق، فما زالت بعض القرى تعاني من مشكلات الصرف الصحي، أو ضعف شبكات مياه الشرب، أو تأخر رصف الطرق، رغم الوعود المتكررة بحل هذه الأزمات.
ولا تقف التحديات عند حدود الخدمات، بل تمتد إلى الملف الاقتصادي الذي أصبح يشغل المواطن بصورة يومية، فارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف المعيشة، وتغير أسعار السلع والخدمات، كلها قضايا ينتظر المواطن أن تحظى بنقاشات برلمانية أكثر عمقًا، تتجاوز عرض المشكلة إلى متابعة الإجراءات الحكومية وقياس أثرها على المواطنين، وإعلان نتائج هذه المتابعة للرأي العام.
وفي الوقت نفسه، يرى كثيرون أن العلاقة بين النائب ودائرته الانتخابية تحتاج إلى مراجعة، فبعد انتهاء الانتخابات، ينتظر المواطن أن يظل النائب حاضرًا بين أبناء دائرته، يتابع مشكلاتهم، وينقلها إلى البرلمان، ويعود إليهم بما تحقق من حلول، لكن في بعض الحالات، يشعر المواطن بأن التواصل أصبح محدودًا، وأن الحضور يقتصر على المناسبات أو اللقاءات الموسمية، بينما تظل القضايا اليومية بلا متابعة كافية.
كما يطرح مراقبون تساؤلات حول استخدام الأدوات الرقابية الأكثر قوة، وعلى رأسها الاستجوابات ولجان تقصي الحقائق، باعتبارها وسائل دستورية تمنح البرلمان القدرة على مساءلة الوزراء بصورة مباشرة، ويرى هؤلاء أن اللجوء إلى هذه الأدوات في الملفات الكبرى يعزز من هيبة المؤسسة التشريعية، ويؤكد استقلالها، ويمنح المواطن شعورًا بأن البرلمان يمارس صلاحياته كاملة دون تردد.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو الأداء البرلماني أن المجلس لا يمكن تحميله وحده مسؤولية جميع الأزمات، لأن التنفيذ يقع في الأساس على عاتق الحكومة، كما يشيرون إلى أن البرلمان ناقش بالفعل العديد من القضايا المهمة، وقدم النواب مئات طلبات الإحاطة والأسئلة، وأن كثيرًا من التوصيات يجري متابعتها مع الوزارات المختلفة، إلا أن هذه الجهود لا تحظى بالتغطية الإعلامية الكافية، وهو ما يخلق فجوة بين ما يحدث داخل المجلس وما يعرفه المواطن.
ورغم وجاهة هذا الطرح، فإن التحدي الحقيقي يبقى في النتائج، فالمواطن لا يبحث عن عدد طلبات الإحاطة أو ساعات المناقشات، وإنما يبحث عن طريق ممهد، ومستشفى يقدم خدمة جيدة، ومدرسة قادرة على استيعاب أبنائه، وسوق مستقرة الأسعار، وجهة حكومية تستجيب لشكواه، وعندما تتحقق هذه النتائج، سيشعر تلقائيًا بأن البرلمان يؤدي دوره الرقابي بكفاءة.
ويبقى البرلمان، وفقًا للدستور، ممثلًا لإرادة الشعب وصاحب الاختصاص الأصيل في التشريع والرقابة، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب استمرار تطوير الأداء البرلماني، وتفعيل أدوات الرقابة بصورة أكثر تأثيرًا، وتعزيز التواصل مع المواطنين، والإعلان بشفافية عن نتائج مساءلة الحكومة، حتى يدرك الرأي العام أن الرقابة ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة يومية هدفها حماية مصالح المواطنين وتحسين جودة حياتهم.
وفي النهاية، فإن قوة أي برلمان لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على أن يكون صوتًا للمواطن، ورقيبًا على الحكومة، وضامنًا لحسن إدارة المال العام. وكلما نجح في تحقيق هذا التوازن، ازدادت ثقة المواطنين فيه، وترسخت مكانته باعتباره سلطة دستورية مستقلة تمارس صلاحياتها كاملة، وتبقى بالفعل سيدة قرارها.