بعد دعوة الرئيس لعودة الانتخابات.. هل تعيد المجالس المحلية صوت الشارع إلى مراكز القرار؟
عاد ملف المحليات إلى واجهة النقاش العام من جديد، بعدما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أهمية وجود مجالس محلية منتخبة، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية التي تربط المواطن بالدولة، وتمثل حلقة الوصل بين احتياجات الشارع وصناعة القرار. فالمحليات ليست مجرد انتخابات لاختيار أعضاء مجالس، لكنها منظومة متكاملة تمس حياة المواطن بشكل مباشر، بداية من الخدمات اليومية داخل القرى والمدن والأحياء، وصولًا إلى المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي.
وتكتسب المحليات أهميتها من كونها المستوى الأقرب للمواطن، فبينما تضع الوزارات السياسات العامة والخطط الكبرى، تتحمل الوحدات المحلية مسؤولية تنفيذ جانب كبير من هذه الخطط على الأرض. فالمواطن يتعامل مع الحي أو مجلس المدينة أو الوحدة المحلية عندما يتعلق الأمر برصف الطرق، ورفع المخلفات، وتنظيم الأسواق، والتراخيص، ومواجهة مخالفات البناء، وغيرها من الملفات التي تشكل تفاصيل الحياة اليومية.
ومنذ عام 2011، تعيش المحليات حالة من الغياب الانتخابي بعد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا بحل المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، لتظل الإدارة المحلية خلال السنوات الماضية قائمة على الأجهزة التنفيذية المعينة، مثل المحافظين ورؤساء المدن والأحياء، دون وجود مجالس منتخبة تمثل المواطنين وتمارس دورًا رقابيًا وشعبيًا على الأداء المحلي.
ورغم استمرار الدولة في تطوير منظومة الإدارة المحلية وتنفيذ مشروعات تنموية ضخمة داخل المحافظات والقرى، ظل غياب المجالس المنتخبة يمثل فراغًا في جانب المشاركة الشعبية، حيث فقد المواطنون جهة منتخبة يمكنها التعبير عن مشكلاتهم ومتابعة تنفيذ الحلول من داخل منظومة الإدارة المحلية.
ويعد ملف المحليات من الملفات التي حظيت باهتمام دستوري كبير، حيث وضع دستور 2014 إطارًا واضحًا لشكل الإدارة المحلية في مصر، وأكد أهمية التحول نحو اللامركزية. ونصت المادة 175 على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، تشمل المحافظات والمدن والقرى، فيما أكدت المادة 176 التزام الدولة بدعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، بما يسمح بنقل اختصاصات أكبر إلى الوحدات المحلية.
كما نص الدستور على وجود مجالس محلية منتخبة، وحدد أهمية مشاركتها في الرقابة ومتابعة تنفيذ الخطط، مع وضع ضوابط تضمن تمثيل شرائح واسعة من المجتمع، حيث تضمنت المادة 180 تخصيص نسب مناسبة للشباب والمرأة والمسيحيين وذوي الإعاقة داخل المجالس المحلية، بهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية والمجتمعية.
ويرى خبراء الإدارة المحلية أن غياب المجالس المنتخبة انعكس على طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة المحلية، فرغم وجود الأجهزة التنفيذية التي تقوم بدورها، فإن وجود مجلس منتخب كان يمكن أن يوفر رقابة إضافية على مستوى الخدمات، ويمنح المواطنين قناة رسمية للتعبير عن أولوياتهم واحتياجاتهم.
كما أن المحليات تاريخيًا كانت تمثل مدرسة لإعداد القيادات، حيث يكتسب العاملون فيها خبرات التعامل مع مشكلات المجتمع وإدارة الملفات الخدمية، ولذلك فإن عودة الانتخابات المحلية لا ترتبط فقط بالرقابة، لكنها ترتبط أيضًا بإتاحة الفرصة أمام جيل جديد من الكوادر الشابة للمشاركة في العمل العام وصناعة القرار.
وفي المقابل، فإن عودة انتخابات المحليات وحدها لا تكفي لتحقيق الهدف المنشود، إذ تحتاج التجربة إلى إعادة صياغة كاملة لدور المجالس المحلية، من خلال منحها صلاحيات حقيقية، وتحديد علاقتها بالأجهزة التنفيذية، وتوفير موارد تمكنها من أداء دورها، إلى جانب وضع معايير واضحة لاختيار وتأهيل الأعضاء القادرين على تحمل المسؤولية.
كما يمثل التحول الرقمي أحد العناصر المهمة في تطوير المحليات، خاصة مع توجه الدولة إلى ميكنة الخدمات وتقليل التعاملات الورقية، بما يساهم في رفع كفاءة الأداء وتقليل فرص الفساد وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في التعامل مع المواطنين.
ويبقى ملف المحليات أحد الاختبارات الحقيقية لنجاح عملية الإصلاح الإداري في مصر، لأن المواطن لا يقيس أداء الدولة فقط بالمشروعات القومية الكبرى، وإنما بما يراه يوميًا في الشارع والقرية والحي من خدمات وانضباط وجودة حياة. ومن هنا فإن عودة المجالس المحلية المنتخبة، وفق منظومة تضمن الصلاحيات والرقابة والكفاءة، قد تمثل خطوة مهمة نحو إدارة أكثر قربًا من المواطن وأكثر قدرة على الاستجابة لمشكلاته.
فالمحليات في النهاية ليست مجرد مجالس انتخابية، بل هي صورة الدولة التي يراها المواطن كل يوم، وكلما كانت قوية وفعالة، انعكس ذلك على مستوى الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

