لم تعد أزمة تسجيل خطوط المحمول بأسماء المواطنين دون علمهم مجرد شكاوى متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ظاهرة تثير القلق وتفرض نفسها على الرأي العام، بعدما فوجئ آلاف المواطنين بوجود شرائح هاتف محمول مسجلة بأسمائهم، رغم أنهم لم يتقدموا بطلب للحصول عليها، ولم يستخدموها يومًا، ولم يعلموا بوجودها إلا بالصدفة. الأخطر من ذلك أن هذه الخطوط قد تُستخدم في ارتكاب جرائم أو عمليات نصب واحتيال أو إنشاء حسابات إلكترونية مزيفة، ليجد المواطن نفسه فجأة طرفًا في وقائع لا يعلم عنها شيئًا، فقط لأن بياناته الشخصية أصبحت في يد آخرين.
هذه الأزمة تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مدى كفاءة منظومة تسجيل خطوط المحمول في مصر، وكيف يمكن لخط أن يُستخرج باسم مواطن دون حضوره أو موافقته، وأين ذهبت إجراءات التحقق من الهوية التي تؤكد شركات الاتصالات أنها تطبقها عند بيع أي شريحة جديدة. فإذا كانت القواعد واضحة، فلماذا تتكرر الشكاوى؟ وإذا كانت هناك مخالفات فردية، فلماذا لم تختفِ حتى الآن؟ وإذا كانت الشركات تمتلك قواعد بيانات وأنظمة إلكترونية متطورة، فكيف تمر مثل هذه الوقائع دون اكتشافها إلا بعد أن يكتشفها المواطن بنفسه؟
الأزمة لم تعد تخص شركات المحمول وحدها، بل أصبحت قضية تمس الأمن القانوني والرقمي للمواطن، ففي ظل التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، بل أصبح مفتاحًا للحسابات البنكية، والمحافظ الإلكترونية، والخدمات الحكومية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتوقيع الإلكتروني، واستلام الأكواد السرية الخاصة بالمعاملات المالية، وبالتالي فإن أي تلاعب في بيانات تسجيل الخطوط يفتح الباب أمام مخاطر أكبر بكثير من مجرد امتلاك شريحة هاتف، وقد يعرّض الأبرياء لمشكلات قانونية أو أمنية لم يتسببوا فيها.
اللافت للنظر أن أغلب الضحايا لا يعلمون بوجود هذه الخطوط إلا بعد سنوات، أو عند استخدام الخدمات التي تكشف عدد الخطوط المسجلة باسمهم، فيكتشف أحدهم وجود خط أو أكثر لا يعرف عنه شيئًا، بعضهم يسارع إلى إلغاء الخطوط، بينما يعيش آخرون في حالة من القلق خوفًا من أن تكون قد استُخدمت في أعمال غير مشروعة. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية من يتحمل مسؤولية ما قد ينتج عن استخدام خط مسجل باسم مواطن لا يعلم بوجوده؟
ورغم أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أتاح وسائل تمكن المواطنين من الاستعلام عن الخطوط المسجلة بأسمائهم، فإن ذلك لا يعفي شركات المحمول من مسؤوليتها الأصلية، وهي التأكد من هوية طالب الخدمة قبل إصدار أي شريحة فالمطلوب ليس فقط اكتشاف الخطأ بعد وقوعه، وإنما منع حدوثه من الأساس. كما أن الاكتفاء بإلغاء الخط بعد اكتشافه لا يعالج أصل المشكلة، ولا يطمئن المواطن إلى أن بياناته لن تُستخدم مرة أخرى بالطريقة نفسها.
المسؤولية لا تقف عند حدود شركات الاتصالات، بل تمتد إلى جميع منافذ البيع والوكلاء المعتمدين الذين يتعاملون مباشرة مع المواطنين فإذا ثبت أن بعض الشرائح يتم استخراجها بالمخالفة للقواعد، فإن ذلك يعني وجود خلل في الرقابة أو تقصير في تطبيق الإجراءات أو استغلال غير مشروع لبيانات المواطنين، وهو أمر يستوجب تحقيقًا شفافًا ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تورطه، لأن الأمر يتعلق بحقوق ملايين المواطنين، وليس بمخالفة إدارية عابرة.
وسط كل ذلك، يبرز الغياب الملحوظ للدور البرلماني. فهذه القضية تمس شريحة واسعة من المصريين، وكان من الطبيعي أن تتحول إلى ملف رقابي تحت قبة مجلس النواب، من خلال طلبات إحاطة واستجوابات واستدعاء مسؤولي وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وشركات المحمول، لمعرفة الحجم الحقيقي للأزمة، وعدد الحالات التي تم رصدها، والإجراءات التي اتخذت لمحاسبة المخالفين، وخطة منع تكرار هذه الوقائع مستقبلًا. فالدور الرقابي للبرلمان لا يقتصر على مناقشة القوانين، بل يمتد إلى حماية حقوق المواطنين عندما تتعرض للخطر.
المواطن اليوم لا يبحث عن بيانات مطمئنة أو تصريحات تؤكد أن الأمور تحت السيطرة، بل يريد ضمانات حقيقية تمنع تسجيل أي خط باسمه دون حضوره وموافقته، ويريد نظامًا يبلغه فور استخراج أي شريحة جديدة ببياناته، حتى يتمكن من الاعتراض في اللحظة نفسها إذا كان الأمر تم دون علمه كما ينتظر تشديد العقوبات على كل من يثبت استغلاله لبيانات المواطنين، سواء كان موظفًا أو موزعًا أو أي طرف آخر شارك في هذه المخالفات.
إن حماية البيانات الشخصية لم تعد رفاهية في عصر الاقتصاد الرقمي، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي، لأن تسريب البيانات أو إساءة استخدامها قد يفتح الباب أمام جرائم إلكترونية ومالية يصعب حصر آثارها، وإذا كانت الدولة قد أنفقت مليارات الجنيهات لبناء بنية تحتية رقمية متطورة، فإن الحفاظ على ثقة المواطن في هذه المنظومة يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن تطويرها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته متى يتحرك مجلس النواب لفتح هذا الملف على نطاق واسع، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، ومحاسبة المقصرين، وإلزام شركات المحمول بإجراءات أكثر صرامة لحماية بيانات العملاء؟ فالأزمة لم تعد تتعلق بخط هاتف مجهول، وإنما بحق كل مواطن في أن تكون بياناته الشخصية مصونة، وألا يتحول اسمه إلى غطاء يستخدمه آخرون دون علمه أو موافقته، بينما يظل هو من يتحمل تبعات أخطاء لم يرتكبها.