لم يعد المواطن المصري يتساءل عن موعد الزيادة الجديدة، بل أصبح يتساءل إن كان هناك شيء لم تطله الزيادة بعد. فمع كل شهر جديد، أو كل قرار اقتصادي، أو كل تعديل في الأسعار، يشعر المواطن بأن يده تسبق راتبه إلى جيبه، وأن دخله أصبح مجرد رقم يفقد جزءًا من قيمته قبل أن يصل إليه.
قد يتفهم المواطن أن الدولة تواجه ظروفًا اقتصادية معقدة، وأن العالم لم يعد كما كان قبل سنوات، وأن الحروب والأزمات العالمية تركت آثارًا على الجميع، لكن ما يصعب عليه فهمه هو أن يكون هو الطرف الأكثر تحملًا للتكلفة في كل مرة، بينما ينتظر سنوات طويلة حتى يلمس نتائج الإصلاح على حياته اليومية.
أصبحت العلاقة بين المواطن والقرارات الاقتصادية علاقة قائمة على الترقب والقلق، فما إن تعلن الحكومة مراجعة أسعار الوقود، حتى تبدأ الأسواق في رفع أسعار كل شيء، حتى السلع التي لا ترتبط مباشرة بالنقل أو الطاقة، وما إن ترتفع تكلفة خدمة واحدة، حتى تتحرك عشرات الخدمات الأخرى بصورة تلقائية، فيتحول القرار الاقتصادي إلى موجة متتالية من الغلاء تمتد إلى كل بيت.
المواطن البسيط لا يقرأ تقارير المؤسسات الاقتصادية، ولا يهتم كثيرًا بمعدلات النمو أو الاحتياطي النقدي أو التصنيفات الائتمانية، لأنه يقيس نجاح الاقتصاد بطريقة مختلفة تمامًا، يسأل نفسه: هل أصبح بإمكاني شراء احتياجات أسرتي بسهولة؟ هل أستطيع تعليم أبنائي دون أن أستدين؟ هل أذهب إلى الطبيب دون أن أقلق من تكلفة العلاج؟ هل أستطيع أن أوفر جزءًا من دخلي للمستقبل؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن كل الأرقام الإيجابية بالنسبة له تصبح بعيدة عن واقعه.
المؤلم أن المواطن لم يعد يشعر بضغط الزيادات فقط، بل أصبح يعيش حالة من عدم اليقين، فهو لا يعرف ما إذا كانت الأسعار الحالية هي النهاية أم مجرد محطة تسبق زيادات أخرى، وهذا الغموض يدفع الأسر إلى تقليص الإنفاق، وتأجيل قرارات مهمة مثل شراء منزل أو الزواج أو حتى إنجاب طفل جديد، لأن المستقبل أصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الدولة تحتاج إلى موارد لتمويل مشروعاتها وسداد التزاماتها وتحسين خدماتها، لكن يبقى السؤال المشروع: هل أصبح جيب المواطن هو المصدر الأسهل والأسرع دائمًا؟ وهل استنفدت الدولة كل البدائل الممكنة قبل أن تلجأ إلى فرض أعباء جديدة؟
هناك فرق كبير بين إصلاح اقتصادي يعتمد على زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الصناعة، وتعظيم الصادرات، وبين إصلاح يعتمد بصورة أساسية على رفع الرسوم والأسعار، الأول يصنع ثروة جديدة، أما الثاني فيعيد توزيع أعباء قائمة، وغالبًا ما يكون المواطن هو الحلقة الأضعف فيها.
الطبقة المتوسطة تحديدًا أصبحت تدفع الثمن الأكبر، فهي لا تحصل على معظم أشكال الدعم، وفي الوقت نفسه لا تمتلك دخولًا مرتفعة تمكنها من امتصاص موجات الغلاء المتكررة، هذه الطبقة التي كانت تقود الاستهلاك والاستثمار والتعليم أصبحت اليوم منشغلة فقط بالحفاظ على مستوى معيشة مقبول، وهو ما ينعكس على الاقتصاد كله، لأن تراجع قدرتها الشرائية يعني تباطؤ الأسواق وتراجع الطلب.
أما أصحاب المشروعات الصغيرة، فقد أصبحوا يواجهون معركة يومية للبقاء، تكلفة الكهرباء، والنقل، والخامات، والإيجارات، والأجور، كلها ترتفع بوتيرة متسارعة، وفي النهاية يضطر صاحب المشروع إلى رفع الأسعار أو تقليل العمالة أو إغلاق مشروعه بالكامل، وهنا لا يخسر هو وحده، بل يخسر الاقتصاد فرصة إنتاج وفرصة عمل ومصدر دخل جديد.
ولعل أخطر ما في الأمر أن المواطن بدأ يفقد ثقته في أن الزيادات مؤقتة، فكلما اعتاد على سعر، فوجئ بسعر أعلى، وكلما أعاد ترتيب ميزانيته، جاءت زيادة جديدة تعيد الحسابات من الصفر، وأصبح السؤال الذي يتردد داخل كل منزل: إلى متى سنظل نعيد ترتيب حياتنا وفقًا لقرارات لا تتوقف؟
الإصلاح الاقتصادي لا ينجح عندما تتحسن المؤشرات فقط، بل عندما يشعر المواطن أن تضحياته بدأت تؤتي ثمارها، عندما يرى مدرسة حكومية تقدم تعليمًا أفضل، ومستشفى حكومي يقدم خدمة تليق بالإنسان، ووسائل نقل أكثر كفاءة، وفرص عمل حقيقية، واستقرارًا في الأسعار يمنحه القدرة على التخطيط للمستقبل.
كما أن العدالة الاقتصادية لا تعني أن يتحمل الجميع العبء نفسه، بل أن يتحمل كل طرف ما يتناسب مع قدرته، فالمواطن الذي يحصل على دخل محدود لا يستطيع أن يواجه الضغوط نفسها التي يستطيعها صاحب الثروة أو المستثمر الكبير، ولذلك فإن أي إصلاح اقتصادي يحتاج إلى توازن دقيق بين احتياجات الدولة وقدرة المواطنين على الاحتمال.
وربما آن الأوان لأن تتحول فلسفة إدارة الاقتصاد من البحث عن الإيرادات السريعة إلى صناعة موارد مستدامة، فكل مصنع جديد يقلل الحاجة إلى الاستيراد، وكل مشروع إنتاجي يخلق وظائف جديدة، وكل استثمار ناجح يزيد حصيلة الضرائب بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى فرض أعباء إضافية على الناس.
المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يرفض الإصلاح من حيث المبدأ، لكنه يريد أن يشعر بأنه شريك في هذا الإصلاح، لا مجرد ممول له، يريد أن يرى نهاية واضحة للطريق، وأن يسمع خطابًا اقتصاديًا يشرح له متى تبدأ مرحلة جني الثمار، لا أن يبقى الحديث دائمًا عن مرحلة التحمل فقط.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين، ليس اعتراضًا على فكرة الإصلاح، وإنما بحثًا عن الأمل: متى يأتي اليوم الذي تتوقف فيه الحكومة عن اعتبار جيب المواطن هو الحل الأسرع لكل أزمة مالية؟ ومتى يصبح تحسين حياة الناس هو المؤشر الأول لنجاح أي سياسة اقتصادية، وليس مجرد ارتفاع الأرقام في التقارير؟
لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تجمعه من الإيرادات، بل بقدرتها على أن تجعل مواطنيها يشعرون بالأمان الاقتصادي، وأن تمنحهم يقينًا بأن الغد سيكون أقل كلفة وأكثر استقرارًا من اليوم.