تثور مسألة قانونية دقيقة بشأن مدى اختصاص قاضي الأمور المستعجلة بالتصريح باستخراج جثة متوفى من قبره وتشريحها بقصد الوقوف على سبب الوفاة، ولا سيما عندما يكون هناك نزاع حول سبب الوفاة أو مدى استحقاق ورثة المتوفى أو المستفيدين لمبلغ تأمين أو تعويض.
والحقيقة أن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي التفرقة بين حالتين مختلفتين، بحسب سبب استخراج الجثة والغرض منه والجهة التي يندرج الإجراء تحت ولايتها.
أولًا: إذا كان استخراج الجثة متعلقًا بجريمة أو بشبهة جنائية
إذا ظهرت دلائل أو قرائن تشير إلى أن الوفاة لم تكن طبيعية، وإنما يحتمل أن تكون نتيجة جريمة قتل أو تسمم أو اعتداء أو غير ذلك، فإن استخراج الجثة وتشريحها لا يعود مجرد إجراء لإثبات حالة في نزاع مدني، وإنما يصبح إجراءً من إجراءات التحقيق الجنائي وكشف الحقيقة.
وقد أكد قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 هذا المعنى بوضوح، فنص في مادته الأولى على أن النيابة العامة تتولى التحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، ولا تتخذ هذه الإجراءات من غيرها إلا في الأحوال التي يحددها القانون.
كما نظم القانون الجديد إجراءات المعاينة، فنصت المادة 75 على أن ينتقل عضو النيابة العامة إلى أي مكان لإثبات حالة الأشخاص والأماكن والأشياء المتعلقة بالجريمة، وكل ما يلزم إثبات حالته متى اقتضت مصلحة التحقيق ذلك.
كذلك نظم القانون الاستعانة بالخبراء، فنصت المادة 99 على أنه إذا اقتضى التحقيق الاستعانة بخبير، وجب على عضو النيابة العامة أن يصدر أمرًا بندبه، مع تحديد المهمة التي يكلف بها.
ومن ثم، فإن استخراج جثة متوفى وتشريحها إذا كان الغرض منه الكشف عن حقيقة جريمة أو التحقق من وجود شبهة جنائية في الوفاة، يندرج في نطاق إجراءات التحقيق التي تباشرها النيابة العامة، ولا يجوز أن يتحول القضاء المستعجل إلى جهة تحقيق بديلة.
وبعبارة أخرى:
إذا كان السؤال المطروح هو: هل مات المتوفى وفاة طبيعية أم نتيجة جريمة؟ فإن الإجابة عن هذا السؤال تدخل في نطاق التحقيق الجنائي، وليس في نطاق القضاء المستعجل المدني.
ثانيًا: ماذا لو لم توجد جريمة وكان النزاع مدنيًا أو تأمينيًا؟
هنا تظهر المسألة الأكثر دقة.
فقد يكون المتوفى مؤمنًا على حياته لدى إحدى شركات التأمين، ثم ينشأ نزاع بين شركة التأمين والمستفيدين أو الورثة حول سبب الوفاة، ويكون تحديد سبب الوفاة أمرًا لازمًا للفصل في مدى استحقاق مبلغ التأمين.
وقد ذهب جانب من الفقه إلى إمكان تدخل القضاء المستعجل، عند توافر حالة الاستعجال، لاتخاذ إجراء مؤقت يهدف إلى المحافظة على دليل يخشى فواته، ومن ذلك – في بعض التصورات – استخراج الجثة وتشريحها إذا كان ذلك هو الوسيلة اللازمة لمعرفة سبب الوفاة، ولم يكن هناك نزاع جنائي قائم.
إلا أن هذا الرأي ليس محل اتفاق.
فقد ذهب اتجاه آخر إلى أن استخراج الجثة وتشريحها بطبيعته إجراء شديد الخصوصية، وأنه يتصل بإجراءات التحقيق الطبي والجنائي والضمانات التي تحيط بالتعامل مع الجثث، وأن مجرد وصف النزاع بأنه «مدني» أو «تأميني» لا يكفي وحده لنقل الاختصاص إلى القضاء المستعجل.
وهذا الاتجاه يستند – من ناحية عملية – إلى أن استخراج الجثة لا يتم بمجرد ندب خبير مدني، وإنما يحتاج إلى إجراءات وضمانات خاصة تتعلق باستخراج الجثمان والتعرف عليه وإجراء الفحص الطبي الشرعي عليه. وقد تناول الفقه هذه المسألة على وجه الخصوص وانقسم بشأنها إلى أكثر من اتجاه.
ثالثًا: ماذا أضاف قانون الإجراءات الجنائية الجديد؟
أهمية القانون رقم 174 لسنة 2025 في هذه المسألة أنه أكد بصورة صريحة ومنظمة مركز النيابة العامة في التحقيق الجنائي.
فالمادة الأولى جعلت التحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية من اختصاص النيابة العامة.
والمادة 75 جعلت المعاينة وإثبات حالة الأشخاص والأماكن والأشياء المتعلقة بالجريمة من إجراءات التحقيق التي يباشرها عضو النيابة العامة.
والمادة 99 جعلت ندب الخبير – متى اقتضى التحقيق ذلك – بأمر من عضو النيابة العامة، مع تحديد المهمة المكلف بها.
وبالتالي، فإن القانون الجديد لا ينشئ للقاضي المستعجل اختصاصًا باستخراج الجثث، ولا ينقل إليه اختصاصًا من اختصاصات التحقيق الجنائي.
بل على العكس، فإن بنيان القانون يؤكد أن الإجراء الذي يستهدف كشف حقيقة جريمة أو تحديد سبب وفاة تحوم حولها شبهة جنائية يظل مرتبطًا بسلطة التحقيق.
رابعًا: هل يعني ذلك أن القضاء المستعجل لا يملك أي دور مطلقًا؟
ليس بالضرورة.. فهنا يجب التفرقة بين الاختصاص الجنائي في التحقيق وبين الإجراءات الوقتية في المنازعات المدنية.
فقاضي الأمور المستعجلة لا يفصل في أصل الحق، وإنما يتدخل – متى توافرت شروط اختصاصه – لاتخاذ إجراء وقتي أو تحفظي لا يمس أصل الحق.
ومن المبادئ العامة في القضاء المستعجل أن اختصاصه لا يمتد إلى إجراء يدخل في اختصاص جهة أخرى أو يؤدي إلى حلول القاضي المستعجل محل الجهة صاحبة الولاية الأصلية.
ومن ثم، فإن مجرد توافر عنصر الاستعجال لا يكفي وحده للقول باختصاص القضاء المستعجل باستخراج الجثة.
بل يجب أن نسأل أولًا:
هل الإجراء المطلوب يدخل في اختصاص القضاء المستعجل أصلًا؟
فإذا كان الإجراء جزءًا من تحقيق جنائي، فالإجابة تكون بالنفي.
أما إذا كان النزاع مدنيًا بحتًا، ولا توجد شبهة جنائية، وكانت هناك حالة استعجال حقيقية، وكان الغرض من الطلب مجرد المحافظة على دليل يخشى فواته، فهنا يمكن بحث مدى توافر شروط اختصاص القضاء المستعجل، مع مراعاة الطبيعة الخاصة لاستخراج الجثث.
خامسًا: الرأي الراجح في المسألة
في تقديري، فإن القول باختصاص القضاء المستعجل يجب ألا يؤخذ على إطلاقه.
فإذا كانت هناك شبهة جنائية في الوفاة، فلا يجوز للقضاء المستعجل أن يأمر باستخراج الجثة وتشريحها، لأن ذلك يدخل في صميم عمل جهة التحقيق.
أما إذا انتفت الشبهة الجنائية وكان النزاع مدنيًا محضًا، كالنزاع التأميني حول سبب الوفاة، فإن القول باختصاص القضاء المستعجل يظل محل بحث فقهي وقضائي، ولا يكفي لإسناده مجرد القول بتوافر الاستعجال، بل يجب التحقق من أن الإجراء المطلوب لا يصطدم باختصاص جهة أخرى وأنه يظل في حدود الإجراء الوقتي ولا يمس أصل الحق.
سادسًا: الخلاصة
يمكن تلخيص المسألة في القاعدة الآتية:
العبرة ليست بمجرد طلب استخراج الجثة، وإنما بسبب الطلب والغرض منه وطبيعته والجهة التي منحها القانون سلطة مباشرة الإجراء.
فإذا كان استخراج الجثة مرتبطًا بجريمة أو بشبهة جنائية، فإن الطريق الطبيعي هو النيابة العامة، باعتبارها صاحبة الاختصاص في التحقيق، ولها أن تتخذ من إجراءات المعاينة والخبرة والفحص الطبي الشرعي ما يلزم لكشف الحقيقة، وفقًا لأحكام قانون الإجراءات الجنائية.
أما إذا كان النزاع مدنيًا أو تأمينيًا بحتًا، وانتفت الشبهة الجنائية، فقد ثار خلاف فقهي حول مدى إمكان تدخل القضاء المستعجل، ويظل تقدير ذلك مرتبطًا بحدود اختصاص القضاء المستعجل وبطبيعة الإجراء المطلوب وعدم مساسه باختصاص جهة أخرى.
ومن هنا فإن صياغة الطلب القضائي هي التي تحدد في جانب كبير منها الإطار القانوني للنزاع، ولا يجوز أن يكون وصف الدعوى بأنها «دعوى مستعجلة» وسيلة للالتفاف على اختصاص جهة التحقيق متى كان الإجراء في حقيقته جزءًا من تحقيق جنائي.
اعرف حقك... واعرف الطريق القانوني الصحيح للمطالبة به.