في تطور جديد بقضية الطالب عمرو عمارة، صدقت الجهات المختصة على الحكم الصادر بالسجن المؤبد بحقه في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التارجت»، وذلك وفقًا لما أكدته شقيقته.
وقالت شقيقة عمرو عمارة، عبر منشور لها على فيسبوك، إن الأسرة أُبلغت بالتصديق على الحكم الصادر بحق شقيقها، مشيرة إلى أن القضية تعود إلى العثور على شريحة هاتف قالت الأسرة إنها كانت سببًا في اتهامه بالقضية.
وهكذا تعود قضية عمرو عمارة إلى الواجهة من جديد، ليس فقط باعتبارها قضية جنائية انتهت بحكم بالسجن المؤبد، وإنما باعتبارها واحدة من أبرز الوقائع التي أعادت طرح السؤال عن خطورة تسجيل شرائح المحمول بأسماء أشخاص ثم انتقالها إلى آخرين، وما يمكن أن يترتب على ذلك عندما يستخدم الخط في واقعة جنائية.
القصة بدأت في عام 2024، عندما كان عمرو عمارة، الطالب بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة الزقازيق، يعيش حياته بصورة طبيعية، قبل أن يدخل في دائرة لم يكن يتخيل أنها ستقوده في النهاية إلى حكم بالسجن المؤبد.
وبحسب رواية عمرو وأسرته، كان له صديق يدعى إبراهيم عبد البديع شعلان، وأخبره أن شقيقته تعمل موظفة مبيعات في فرع لإحدى شركات الاتصالات بمركز أبو كبير، وأنها تحتاج إلى استخراج خط هاتف للمساعدة في تحقيق مستهدف المبيعات «التارجت» المطلوب منها في العمل.
الرواية التي قدمتها الأسرة تقول إن عمرو وافق على استخراج الخط على سبيل المساعدة، ولم يكن يعلم، بحسب تأكيداته، أن الشريحة التي سُجلت ببياناته ستصبح في وقت لاحق جزءًا من ملف قضية جنائية.
وبحسب ما نقلته شقيقة عمرو، فإن الصديق أخبره بأن شقيقته استنفدت الحد الأقصى المسموح به للخطوط المسجلة بأسماء أفراد الأسرة، ولذلك طلب منه تسجيل خط باسمه لمساعدتها في تحقيق مستهدفات العمل. ووفق رواية الأسرة، لم يتسلم عمرو الخط للاستخدام الشخصي، وإنما تركه بعد إجراءات التسجيل.
مر الوقت، بينما ظل عمرو يمارس حياته بصورة طبيعية، يذهب إلى الجامعة ويعيش وسط أسرته دون أن يعلم، وفق روايته، أن اسمه أصبح مرتبطًا بقضية جنائية.
وبحسب شقيقته ياسمين، لم تعرف الأسرة شيئًا عن القضية إلا في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، عندما حضر محضران قضائيان إلى منزل الأسرة في مركز أبو كبير وسألا عن عمرو، قبل أن تبدأ الأسرة في البحث وراء سبب هذا السؤال المفاجئ.
الصدمة، وفق رواية الأسرة، كانت اكتشاف صدور حكم غيابي بالسجن المؤبد بحق عمرو في قضية جنايات بالسويس، مرتبطة باتهامات تتعلق بتهريب مواد مخدرة. وتقول الأسرة إن عمرو لم يكن هاربًا، وكان مستمرًا في دراسته وحياته اليومية، ولم يكن يعلم بوجود القضية أو الحكم الصادر بحقه.
هنا بدأت الأسرة في تفكيك تفاصيل القضية ومحاولة معرفة كيف وصل اسم طالب جامعي لم يتجاوز العشرين عامًا إلى ملف جنائي بهذه الخطورة.
وبحسب ما روته الأسرة والدفاع، ظهر خط الهاتف المسجل باسم عمرو في القضية، وربطته التحقيقات بأشخاص متهمين في واقعة تتعلق بمواد مخدرة.
وتقول رواية عمرو إن الخط الذي سجل باسمه لم يكن في حيازته ولم يستخدمه في النشاط محل الاتهام، وإن ما حدث بدأ من واقعة تسجيل الشريحة لصالح شخص آخر.
لكن القضية لم تتوقف عند الحكم الغيابي.
بعد علمه بالحكم، سلم عمرو نفسه للجهات المختصة، وفق ما أعلنته أسرته ودفاعه، بهدف إعادة إجراءات محاكمته وإتاحة الفرصة أمامه لعرض دفاعه أمام المحكمة.
وبالفعل، انعقدت جلسة المحاكمة في حضور عمرو، إلا أن المحكمة أصدرت حكمها بالسجن المؤبد، وهو ما شكل صدمة جديدة للأسرة التي كانت تعقد آمالًا على انتهاء القضية بالبراءة. وأكدت شقيقته أن الأسرة كانت تنتظر الحكم بالبراءة، بينما رأت أن أوراق القضية، من وجهة نظرها، لا تثبت صلة مباشرة لشقيقها بالواقعة.
ومنذ ظهور القضية إلى الرأي العام، تحولت شريحة الهاتف إلى محور القصة كلها.
فالدفاع يؤكد أن موكله لم يكن طرفًا في الجريمة، وأن بداية دخوله إلى القضية كانت من خلال خط هاتف مسجل باسمه. كما أعلن المحامي كمال شعيب أن هيئة الدفاع تقدمت بـ17 شكوى وبلاغًا وتظلمًا أمام جهات مختلفة، بينها شكاوى مرتبطة بموظفة في شركة اتصالات وأشخاص آخرين، إضافة إلى شكوى ضد شركة الاتصالات المعنية للمطالبة بفتح تحقيق في ملابسات الواقعة.
الدفاع لم يتوقف عند ذلك، إذ أعلن أيضًا التقدم بعدد من التظلمات والالتماسات بشأن الحكم، مؤكدًا استمرار اتخاذ الإجراءات القانونية التي يتيحها القانون للطعن عليه.
لكن التطور الأخير الذي أعلنت عنه شقيقة عمرو يضع القضية أمام منعطف جديد، بعدما قالت إن الأسرة أُبلغت بالتصديق على الحكم الصادر بالسجن المؤبد.
وبذلك، تنتقل القضية من مرحلة الحكم الصادر إلى مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للأسرة، التي تتمسك بروايتها بأن نجلها دخل القضية بسبب شريحة هاتف سجلت باسمه، بينما تؤكد الإجراءات القضائية التي انتهت بالحكم مسؤولية عمرو وفق ما انتهت إليه المحكمة.
وهنا يجب التوقف أمام نقطة جوهرية: القول إن الشريحة كانت مسجلة باسم شخص لا يعني وحده أن هذا الشخص هو المستخدم الفعلي لها وقت ارتكاب أي جريمة، كما أن إثبات العكس يحتاج إلى أدلة وتحريات وفحوص فنية وتقدير قضائي. وهذه النقطة تحديدًا هي التي أصبحت محورًا في قضية عمرو، بحسب ما يطرحه الدفاع والأسرة.
القضية فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا على أزمة أكبر بكثير من حالة عمرو عمارة وحده: أزمة الخطوط التي يمكن أن تكون مسجلة باسم شخص بينما تكون في حيازة شخص آخر.
فالخط في الوقت الحالي لم يعد مجرد وسيلة لإجراء مكالمة هاتفية. رقم المحمول أصبح مرتبطًا بخدمات مالية وتطبيقات إلكترونية وحسابات ومنصات متعددة، ولذلك فإن استخدام شريحة مسجلة باسم شخص آخر يمكن أن يخلق آثارًا قانونية وأمنية بالغة الخطورة.
ومن هنا جاءت حالة الجدل الواسعة التي صاحبت قضية عمرو، خصوصًا بعدما بدأت الأسئلة تتكرر بين المواطنين: ماذا لو كان هناك خط مسجل باسمي ولا أستخدمه؟ ماذا لو حصل شخص آخر على الشريحة؟ ماذا لو استخدمها في جريمة؟ وكيف يمكنني أن أثبت أنني لم أكن المستخدم الفعلي؟
هذه الأسئلة لم تعد افتراضية بالنسبة لأسرة عمرو عمارة.
فبحسب رواية الأسرة، بدأت الحكاية بطلب بسيط ومجاملة لصديق، ثم تحولت بعد فترة إلى حكم غيابي بالسجن المؤبد، ثم إلى تسليم للنفس وإعادة إجراءات ومحاكمة حضورية، وصولًا إلى صدور الحكم، والآن إعلان الأسرة التصديق عليه.
القصة التي بدأت بشريحة هاتف كشفت في المقابل ثمنًا قد يدفعه المواطن عندما يتعامل مع بياناته الشخصية باستهانة، أو عندما يوافق على استخراج خط باسمه لصالح شخص آخر، حتى لو كان بدافع المساعدة وحسن النية.
وفي الجانب الآخر، تطرح الواقعة أسئلة لا تقل أهمية حول آليات بيع وتسجيل خطوط المحمول، ومدى قدرة منظومة الاتصالات على التأكد من أن صاحب البيانات هو المستخدم الحقيقي، وما إذا كانت هناك إجراءات كافية تمنع تداول الخطوط بين الأشخاص بعد تسجيلها.
قضية عمرو عمارة أصبحت بذلك أكبر من مجرد ملف طالب يواجه حكمًا بالسجن المؤبد؛ إنها اختبار حقيقي لفكرة المسؤولية عن شريحة المحمول، وللحد الفاصل بين «مالك الخط في السجلات» و«المستخدم الفعلي» في الواقع.
ومهما كانت نتيجة الإجراءات القانونية المقبلة، فقد تركت القضية سؤالًا ثقيلًا أمام الجميع:
إذا كان خط هاتف يمكن أن يبدأ كمجاملة بسيطة وينتهي بحكم بالسجن المؤبد، فمن المسؤول عن حماية المواطن من شريحة تحمل اسمه بينما لا تكون في يده؟
هذه هي القضية التي أعاد عمرو عمارة فتحها أمام الرأي العام، وهي قضية لا تتعلق بشاب واحد فقط، وإنما بآلاف المواطنين الذين قد لا يعرفون أصلًا عدد الشرائح المسجلة بأسمائهم، ولا من يستخدمها، ولا ما الذي يمكن أن يحدث إذا خرج أحدها من نطاق السيطرة.