بعد نشرنا موضوعًا صحفيًا تناول عددًا من التساؤلات حول طبيعة مؤتمر الإعلام العربي، والإطار القانوني والتنظيمي للفعاليات التي تحمل صفة إعلامية، تواصل معنا الدكتور جمال بيومي رئيس المؤتمر، مؤكدين له أن حق الرد مكفول كاملًا وفقًا للقواعد المهنية والقانونية، وأننا على استعداد لنشر أي توضيحات أو مستندات رسمية من شأنها الرد على ما تم طرحه من تساؤلات.

 

 

 

إلا أننا فوجئنا بدلًا من تلقي رد رسمي موثق، بخطاب يحمل هجومًا على ما نشر، وتوجيه اتهامات للصحيفة وللقائمين عليها، وصلت إلى وصفنا بـ"منتحلي الصفة"، فضلًا عن التلويح باتخاذ إجراءات قانونية ضدنا.

ونؤكد أن ما تم نشره لم يتضمن اتهامات شخصية أو أحكامًا مسبقة ضد أي طرف، وإنما جاء في إطار ممارسة الدور الصحفي في طرح التساؤلات المتعلقة بالشفافية، وطبيعة الكيانات المنظمة للفعاليات الإعلامية، والحدود الفاصلة بين إقامة مؤتمر خاص وبين منح صفات أو اعتمادات مهنية.

وإذ نحترم حق أي شخص أو جهة في اللجوء إلى القانون، فإننا نؤكد في الوقت ذاته تمسكنا بحقنا الأصيل في ممارسة العمل الصحفي وفقًا للدستور والقوانين المنظمة، وطرح القضايا التي تهم الرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجال الإعلام الذي يقوم أساسًا على الحوار وحرية النقاش وتبادل المعلومات.

ومن منطلق الالتزام بمبدأ الرأي والرأي الآخر، نعيد فتح الملف من زاوية قانونية ومهنية، واضعين أمام القارئ الحقائق والتساؤلات المطروحة، مع التأكيد على استعدادنا الكامل لنشر أي رد رسمي موثق يقدمه رئيس المؤتمر أو الجهة المنظمة.

 

 

لم تعد المؤتمرات الإعلامية مجرد لقاءات للحوار وتبادل الخبرات، بل أصبحت في السنوات الأخيرة مساحة تمنح من خلالها ألقاب وتكريمات وشهادات تحمل أحيانًا مسميات كبيرة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الإطار القانوني والتنظيمي لهذه الفعاليات، ومدى توافقها مع القواعد المنظمة للعمل الإعلامي في مصر.

ومع انتشار العديد من الفعاليات التي تحمل عناوين مثل "الدولي" و"العربي" و"الريادي"، يبرز سؤال مشروع: ما الجهة التي تمنح هذه الكيانات صفة الاعتماد؟ وما المعايير التي يتم على أساسها اختيار المكرمين أو منح الألقاب المهنية؟

فالقضية ليست رفض إقامة المؤتمرات أو الحد من المبادرات الإعلامية، بل تتعلق بالحفاظ على قيمة المهنة ومنع الخلط بين الفعالية الاحتفالية والاعتماد المهني.

 

الاسم الكبير لا يصنع الاعتراف القانوني

في المجال الإعلامي، لا تُكتسب الصفة المهنية بمجرد المشاركة في مؤتمر أو الحصول على درع تكريم، فهناك فارق بين "تكريم رمزي" تمنحه جهة خاصة، وبين "اعتماد مهني" يرتبط بجهات لها اختصاص قانوني.

فاللقب الإعلامي أو صفة ممارسة العمل الإعلامي تخضع في مصر لأطر تنظيمية تحددها الجهات المختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فيما يتعلق بتنظيم المجال الإعلامي، ونقابة الإعلاميين فيما يتعلق بشروط القيد وممارسة المهنة وفق اختصاصاتها.

ومن هنا يصبح من حق المجتمع والإعلاميين معرفة طبيعة أي فعالية تقدم نفسها باعتبارها منصة إعلامية كبرى: هل هي مؤسسة مسجلة؟ هل لديها كيان قانوني واضح؟ هل التكريم الصادر عنها يحمل قيمة مهنية أم أنه مجرد شهادة مشاركة؟

 

بين حرية التنظيم وضرورة الشفافية

القانون لا يمنع إقامة المؤتمرات أو المنتديات الخاصة، فتنظيم الفعاليات حق مكفول للأفراد والجهات وفق الإجراءات القانونية، لكن المشكلة تظهر عندما يحدث خلط بين تنظيم حدث خاص وبين تقديمه للرأي العام باعتباره جهة مانحة للاعتماد أو صاحبة سلطة مهنية.

فالشفافية هنا تصبح أمرًا أساسيًا، من خلال الإعلان بوضوح عن، الجهة المنظمة للمؤتمر، طبيعتها القانونية، الجهات الراعية أو الشريكة، معايير اختيار المكرمين، طبيعة الشهادات أو الألقاب الممنوحة، خطر صناعة "إعلاميين بالاحتفالات".

 

ولعل أحد أخطر الملفات التي تحتاج إلى نقاش هو ظاهرة منح صفات إعلامية من خلال مناسبات احتفالية، بما قد يؤدي إلى خلط بين من يمارس المهنة وفق قواعدها، ومن يحصل على لقب من فعالية لا تمتلك بالضرورة اختصاصًا مهنيًا.

فالإعلام ليس مجرد لقب يكتب على بطاقة أو درع يوضع في صورة تذكارية، وإنما مسؤولية لها قواعد وأخلاقيات وتاريخ طويل.

كما أن انتشار هذه الظاهرة قد يؤثر على صورة الإعلاميين الحقيقيين الذين قضوا سنوات في الدراسة والتدريب والعمل الميداني للوصول إلى مكانتهم المهنية.

 

 

 

المطلوب.. تنظيم لا منع

الحل ليس في مواجهة المؤتمرات أو إلغاء المبادرات الإعلامية، وإنما في وضع مساحة واضحة بين العمل الأهلي والخاص من جهة، والاعتماد المهني من جهة أخرى.

فالمؤتمرات الجادة يمكن أن تضيف قيمة حقيقية للإعلام عندما تعتمد على المحتوى، والبحوث، والنقاشات المتخصصة، وليس فقط على الصور والتكريمات.

 

السؤال الذي يحتاج إلى إجابة

مع تزايد عدد المؤتمرات الإعلامية، يبقى السؤال مطروحًا أمام الجهات المعنية والمجتمع الإعلامي:

هل أصبحت الحاجة اليوم أكبر إلى تنظيم هذه الفعاليات ووضع معايير واضحة لها، حتى لا تختلط المبادرات الجادة بفعاليات تبحث فقط عن الأضواء؟

فالإعلام مهنة تقوم على الثقة، وأول شروط الثقة هو الوضوح: من يمنح؟ وبأي صفة؟ وتحت أي إطار قانوني؟.