لم يعد ملف الدعم التمويني مجرد منظومة لتوزيع السلع الأساسية، بل أصبح واحدًا من أكثر الملفات ارتباطًا بالحياة اليومية للمصريين. فكل قرار يتعلق بإضافة أو حذف أو إيقاف بطاقة تموين ينعكس مباشرة على ملايين الأسر التي تعتمد على الدعم في مواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت الدولة إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم، بهدف توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ومنع إهدار المال العام أو حصول غير المستحقين على مزايا لا يستحقونها. وهي خطوة يراها كثيرون ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه فتحت بابًا واسعًا من القلق لدى المواطنين، خاصة مع ظهور حالات فوجئت بإيقاف بطاقاتها رغم تأكيد أصحابها أنهم من الفئات الأولى بالرعاية.
وأصبح المواطن اليوم أكثر اهتمامًا بمتابعة بياناته المسجلة لدى الجهات الحكومية، بعد أن أدرك أن أي اختلاف في بيانات الدخل أو الملكية أو الحيازة قد يؤثر على موقفه من الدعم، حتى وإن كان هذا الاختلاف ناتجًا عن خطأ إداري أو عدم تحديث البيانات في الوقت المناسب.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التموين أن عمليات تنقية البطاقات لا تستهدف التضييق على المواطنين، وإنما تهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وفق معايير تعتمد على قواعد بيانات متعددة، بما يحقق كفاءة الإنفاق العام ويحافظ على حقوق الفئات الأكثر احتياجًا.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطنون لا يتعلق فقط بأسباب الاستبعاد، وإنما بآلية التحقق نفسها. فهل تكفي المؤشرات الرقمية وحدها للحكم على الحالة الاقتصادية للأسرة؟ وهل امتلاك سيارة قديمة أو عقار موروث يعني بالضرورة أن الأسرة لم تعد بحاجة إلى الدعم؟ وهل تعكس قواعد البيانات دائمًا الواقع المعيشي للمواطن؟
وتبرز أهمية التظلمات باعتبارها صمام الأمان داخل المنظومة، فهي تمنح المواطن فرصة لعرض موقفه الحقيقي، وتصحيح أي بيانات غير دقيقة قد تكون السبب في إيقاف البطاقة التموينية. لذلك فإن سرعة فحص التظلمات وإعلان نتائجها تمثل عاملًا مهمًا في تعزيز ثقة المواطنين بمنظومة الدعم.
كما يرى خبراء الاقتصاد أن تطوير منظومة الدعم لا يتوقف عند تنقية البطاقات، بل يجب أن يشمل تحديث قواعد البيانات بشكل مستمر، وربطها بمصادر المعلومات المختلفة، مع منح المواطن حق معرفة سبب الاستبعاد بصورة واضحة، وإتاحة وسائل سهلة وسريعة لتصحيح البيانات دون إجراءات معقدة.
ويؤكد المتخصصون أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط بمنع حصول غير المستحق على الدعم، وإنما أيضًا بعدم حرمان مستحق حقيقي بسبب خطأ في البيانات أو تأخر في تحديثها، فالمعادلة الناجحة هي التي تجمع بين حماية المال العام والحفاظ على حقوق محدودي الدخل.
ومع استمرار الدولة في تطوير منظومة الدعم، يظل الرهان الحقيقي هو بناء علاقة قائمة على الثقة والشفافية مع المواطن، بحيث يشعر أن المنظومة لا تعمل ضده، وإنما من أجله، وأن هدفها الأساسي هو ضمان وصول الدعم إلى من يحتاجه بالفعل.
وفي ظل المتغيرات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، تبقى منظومة الدعم التمويني أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية، ما يفرض استمرار تطويرها بما يحقق العدالة والكفاءة معًا، ويجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، بعيدًا عن أي تعقيدات قد تحول الحصول على الدعم من حق اجتماعي إلى رحلة طويلة لإثبات الاستحقاق.
ويبقى الملف مفتوحًا أمام مزيد من التطوير، ليس فقط من خلال تحديث قواعد البيانات، ولكن أيضًا عبر تبسيط الإجراءات، وتسريع فحص التظلمات، وزيادة التواصل مع المواطنين، حتى تتحقق المعادلة الأصعب: وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين دون أن يشعر أي مواطن مستحق بأنه مطالب كل مرة بإثبات أنه فقير.